دايتون للسلام وجنيف 2

عنب بلدي – العدد 65 – الأحد 19-5-2013
معتز سلام
5
في شهر تشرين الثاني نوفمبر من عام 1995م من القرن الماضي، تم عقد مؤتمر السلام الخاص بالأزمة البوسنيّة، والذي وُقّع بأحرفه الأولى في مدينة دايتون الأمريكية، هذا المؤتمر شكّل خارطة طريق للخروج من الحرب الطاحنة التي استمرت قرابة الأربع سنوات، والتي راح ضحيتها أكثر من 200 ألف قتيل بوسني، ودُمّرت فيها البلاد بحضارتها وتاريخها ونسيجها الاجتماعي.
كان هذا المؤتمر علامة فارقة في حياة البوسنيين وكل الأطراف التي لها علاقة بالأزمة (صرب وكروات)، مع أنّه اعترف بتقسيم الجمهورية إلى عدة جمهوريات (البوسنة وصرب البوسنة ومنطقة تحت رعاية الأمم المتحدة). حاول المجتمع الدولي في تلك اللحظة بكل أساليبه الدبلوماسية مع ضربات عسكرية من قبل حلف الناتو لمواقع الصرب الدفاعية أن يضغط على الأخير في الجلوس لطاولة المفاوضات مع البوسنيين والخروج بحل سياسي يضع خارطة طريق تكون معبرًا للسلام الدائم في تلك المنطقة؛ منطقة البلقان.

وفي هذه الأيام، تتسارع الخطى للدعوة لمؤتمر سلام يخص الوضع في سوريا، بعد حدوث تطورات دراماتيكية وتصريحات حدّية من بعض الأطراف وبعض الدول المشاركة في الأزمة وحدوث بعض المجريات على أراضي بعض الدول المجاورة. كان أهم تلك الأحداث القصف الإسرائيلي لمواقع تابعة للنظام السوري، استهدف -كما قيل- معدات صاروخية كانت متوجهة لحزب الله، ومواقع تابعة للحرس الجمهوري والفرقة الرابعة ومراكز أبحاث. تبعها تصريحات من قبل النظام تتحدث عن فتح جبهة الجولان أمام المقاومة وتحويل سوريا لدولة على غرار حزب الله اللبناني، وتصريح أمين عام الحزب الأخير أن نظام الأسد ينوي تزويده بمعدات وأسحلة عسكرية تكسر التوازن في المنطقة. تلى ذلك تفجيرات هزّت مدينة الريحانية جنوب تركيا، كان وراءها كما أعلنت الحكومة التركية النظام السوري وراح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى. أضف إلى ذلك الوضع الإنساني الكارثي في سوريا المتمثل بملايين النازحين والمهجرين داخليًا وخارجيًا والذين أصبحوا عبئًا كبيرًا على الدول المضيفة.

يمكننا القول إن سوريا اليوم والمنطقة ككل أصبحت على أعتاب حرب إقليمية (طائفية) لا تُبقي ولا تَذر، ولن ينجوا منها أحد، حتى الدول الكبرى سوف تصطلي بنيرانها ولو بعد حين. وهذه الخطى الحثيثة الدائرة اليوم والمسرِعة لعقد أو إحياء مؤتمر جنيف2 كمؤتمر سلام في سوريا، يجعلنا نطرح عدة أسئلة؛ منها: هل سيشكل مؤتمر جنيف2 (حقيقةً) معبرًا للسلام الدائم في سوريا، ويضع خارطة طريق قادرة على الحياة ومُلزِمة للأطراف وأولها النظام السوري. هل يُعتبر هذا المؤتمر الفرصة الأخيرة نحو حل سياسي للأزمة السورية كما يرى المراقبون؟ ألا يعني فشل هذا المؤتمر إعطاء كرت أخضر لكل القوى الإقليمة بالتدخل وعلى طريقتها في سوريا ووفق مصالحها؟ ألا يعني ذلك إن حدث زيادة الفوضى في المنطقة؟!
من أجل ذلك؛ وللحالة الحرجة التي وصلت إليها المنطقة ككل، فإننا نأمل أن يشكل مؤتمر السلام المزمع عقده في جنيف خارطة طريق حقيقية للانتقال نحو سوريا الديمقراطية، كما شكّلت اتفاقية دايتون نقطة فارقة على صعيد الأزمة البوسنية ولو اختلف الشكل قليلًا. فمؤتمر دايتون للسلام جاء في مرحلة لم تعد الأطراف والمنطقة هناك قادرة على تحمل المزيد من القتل والدمار، وكان الكل يتكلم عن انسداد الأفق أمام الحل السياسي وانعدام الثقة المتبادلة. ومؤتمر سوريا يأتي أيضًا في مرحلة باتت الأحداث تلقي بثقلها على كامل المنطقة، ولايوجد إيمان واضح بالقدرة على الحل السياسي.

صحيح أنّ الكثيرين يتحدثون أنّ اتفاقية دايتون كانت عبارة عن صيغة غير قابلة للحياة بشكل جيد، وأنها لم تُنه حالة التوتر الكبيرة التي أحدثها الحرب بين البوسنيين من طرف وبين الصرب تحديدًا والكروات، ولكنها اللحظة التي قبل بها الجميع، وربما يعيد التاريخ نفسه في سوريا وتلقي الحرب أوزارها بما يحقق مصلحة الشعب السوري في الأيام القادمة.

تابعنا على تويتر


Top