هل سيشهد السوريون هزيمة بوتين؟

حذام زهور عدي

عوامل متعددة دفعت روسيا البوتينية إلى الدخول العسكري في سوريا، وأصبح معروفًا أن المحرك والمحرض على هذا الدخول الصاعق، هو المسألة الأوكرانية واحتلال القرم والعقوبات التي فرضتها الدول الغربية كرد فعل على ذلك الاحتلال.

لكن أوكرانيا لم تكن العامل الوحيد، فمثل بوتين لا يتورط بدخولٍ أشبه بالاحتلال دون أن تُحيط حساباته بالتكتيكي والاستراتيجي وحدود المساومات والربح والخسارة، لكنّ استنجاد ملالي إيران به وملحقهم الأسد كان الذريعة التي دفعته لحسم قراره، بعد أن يئس نظامهما من إمكانية الحفاظ على كرسيه.

وبالنسبة لبوتين فإن سوريا ليست فقط الغاز المكتشف والبترول وخطوطهما على البحر المتوسط، ولا الأموال الهائلة التي قبضها من إيران والعراق ثمنًا للسلاح الذي باعه للأسد، بل هي الموقع الاستراتيجي الذي يضمن إبطال مفعول صواريخ الناتو، التي أحاطت بمعظم الحدود الروسية، وهي إرث النفوذ السوفييتي الذي احتفظ بالسلاح الروسي والخبراء الروس وخرّج من كلياته غالبية ضباط الجيش السوري وأساتذة الجامعات السورية والاختصاصات العالية المختلفة، حتى إنه وصل عدد من تزوج من روسيات مقيمات في سوريا إلى أربعين ألفًا كما يقال.

سوريا هي حلم قياصرة روسيا العظمى في الوصول إلى المياه الدافئة، كل ذلك ولبوتين أهداف إضافية أخرى، فهي من ستتوجه قيصرًا أعظم لروسيا الجديدة وبطلًا قوميًا يحكمها إلى الأبد.

كل ما سبق يجعل حسابات بوتين الباطنية تختلف عن إعلاناته الظاهرية، ولا شك أن السوريين على اختلاف وجهات نظرهم تلمسوا تحول الدخول إلى احتلال حقيقي يكون المحتل فيه هو الآمر الناهي بلا منازع، وأنه احتلال طويل المدى ليس سهلًا التخلص منه، فكيف يمكن الحديث عن هزيمته ودوافع بوتين تجعله يمسك سوريا بأسنانه ويديه ورجليه، وحال العالم على ما خبره السوريون قوى وتحالفات وغيرها.

بالتأكيد لا شيء مستحيل على إرادة الشعوب، وروسيا ليست أول غازٍ لسوريا، التي انتصرت على غزاتها جميعًا في تاريخها كله، طال أم قصر، لكننا اليوم لا نريد التحدث عن التاريخ إنما عن الوقائع التي يمكن أن تكلل رأس بوتين بالهزيمة.

أولها: التورط البري له، فقد أصبح عدد الجنود الروس وفق تصريحات قياداتهم 25 ألفًا، عدا المستشارين الكبار وفنيي قاعدة حميميم، ما يعرضهم للقتل والقتال، وقد شاهدهم السوريون وهم “يحررون” تدمر ويرقصون على مسرحها، وسمعوا تهنئة بوتين لهم بالرسالة المتلفزة التي بثت خلال الحفل، وقد بدأت طلائع قتلاهم منذ أسابيع تصل إلى روسيا متزامنة مع صعود المعارضة الداخلية لبوتين، الذي وعد الشعب بعدم خسارة أي جندي روسي في سوريا، ولذا هو شديد الاهتمام بإخفاء العدد الحقيقي لقتلاه.

ذلك العدد مرشح للزيادة على يد الثوار السوريين، ولا أظن أن مصيرهم سيكون أفضل من مصير جيش الملالي وملحقاته، مع أن عدده بلغ وفق تقديرات المراقبين العسكريين ثمانين ألفًا، مدججين بأحدث الأسلحة، ومع ذلك يكاد لا يخلو يوم من تأبين قتلى إيرانيين أو من حزب الله والميليشيات الأخرى.

وثانيها: أن سلاح الطيران الروسي الذي استمر أكثر من ستة أشهر يحصد سوريا غير المفيدة شبرًا شبرًا، مستخدمًا أقذر أنواع القذائف وأشدها فتكًا، مخلفًا دمارًا ومآسي لدى المدنيين، لم يستطع إنهاء الثورة السورية، والمدهش تحقيق الثوار بالرغم من هذا القصف انتصارات غير قليلة على الأرض، ولنذكر أن بوتين كان قد وعد شعبه ألا تطول مدة بقائه في سوريا أكثر من أربعة أشهر على أكثر تقدير، ما اضطره لتأليف تمثيلية الانسحاب ثم العودة باسم دعم التحالف الدولي في قتال داعش.

وثالثها: أن الاقتصاد الروسي في وضع لا يحتمل إطالة الفترة التي عليه دفع نفقاتها، مع العلم أن بوتين يحصّل من سوريا لقاء الطلعات الجوية التي يدمر فيها البلاد والعباد، ليس عقودًا لخمسين سنة مقبلة لنهب الثروات السورية فقط، وإنما مواد عينية وأموالًا من إيران والعراق، تلك الأموال التي تراجعت بسبب حروب العراق الداعشية ومحاولة روحاني تخفيف الدعم المالي الخارجي إنقاذًا للاقتصاد الإيراني المتدهور.

ورابعها: أن الحسم العسكري الذي وعد الأسد به حين تدخله العسكري لم يتحقق، وجلُّ ما حققه إطالة مدة بقائه على كرسي الرئاسة لتحصيل ثمنٍ أغلى لرأسه، مع إذلال متعمد له وتسريبات تصاريح عن جيشه المتهاوي.

وخامسها: أن الموقف الأمريكي الذي تحرص أجهزة بوتين على إظهار التنسيق معه بالشأن السوري ليس كما يظهر، فقد يحمل بإظهار انسحابه عملية توريط مقصودة لبوتين، وبالرغم من أن تصريح كسينجر في حديث أجرته صحيفة “ديلي سكيب” الأمريكية ونشرته وكالة الأنباء “أونا” يقول “إن إيران ستكون المسمار الأخير في النعش الذي تجهزه أمريكا وإسرائيل لكلٍ من إيران وروسيا بعد أن تم منحهما الفرصة للتعافي والإحساس الزائف بالقوة، وبعدها سيسقطان وللأبد”.

وبصرف النظر عن قول كسينجر فإن الموقف الأمريكي لن يبقى على حاله، وربما ينجح شبيه بوش الابن ترامب في رئاسة الولايات المتحدة، فيتصرف بحمق شبيهه وغبائه ويحقق ما قاله كسينجر في لقائه.

وسادسها: إمكانية تحرك مسلمي روسيا الاتحادية الذين يبلغ عددهم 29 مليونًا كما يقال، وفي بلادهم أهم الثروات التي يعتمد عليها الاقتصاد الروسي.

وسابعها: سقوط الأسد ونظامه الذي لابد أنه آتٍ والذي سيحرم بوتين من ورقته الشكلية في قانونية التدخل العسكري.

لكنّ العوامل السابقة كلها على أهميتها، غير كافية لهزيمة روسيا إذا لم تدعم بمقاومة سورية مسلحة تسليحًا مناسبًا، موحدة القيادة السياسية والعسكرية ومعتمدة على حرب العصابات، موفرة الملاجىء للمدنيين وعوامل الحياة ولو بأبسط أشكالها.

هزيمة بوتين ممكنة جدًا… أجل، فالشعب السوري لن يسمح للدب الروسي بالتمتع طويلًا بعسله، ألم يعدنا الله سبحانه بهزيمتهم وهو أصدق الواعدين “سيهزم الجمع ويولون الدبر”، أما سوريا فستعود حرة مرفوعة الرأس كما كانت في تاريخها كله.

تابعنا على تويتر


Top