إعلام الثورة والحاجة إلى ثورة

عنب بلدي – العدد 66 – الأحد 26-5-2013
بشير – حماه
2
عانت المجتمعات العربية بشكل عام من هيمنة إعلام السلطة على ساحاتها الإعلامية، سواء منها المشاهد أو المقروء أو المسموع، وما إن انطلق الربيع العربي حتى شهد الإعلام تحررًا من ذلك الكبت الذي كان مفروضًا عليه من قبل السلطات، فنشأ الإعلام البديل -لذلك السلطوي- وتبنت بعض القنوات أيضًا القضايا الثوريّة وحملت على عاتقها إيصال صوت الحقيقة للشعب المضطهد.
في الثورة السوريّة على وجه الخصوص كان الإعلام الخارجي -ولا يزال- ممنوعًا من تغطية الأحداث على الأرض، هذا الأمر أثار حفيظة الشباب السوري الحامل على عاتقه هم التغيير، فانبرى بكاميراته وأدواته البسيطة ينقل الأحداث بالخبرة المحلية، الأمر الذي أدى إلى ظهور الكثير من السلبيات، خاصة مع تضخم تلك الأعمال الإعلامية بشكل غير سوي، ومحاولة نقل كل صغيرة وكبيرة في الثورة كرد ومجابهة للقهر الأسدي.
من السلبيات التي يعاني منها إعلامنا الثوري اليوم، هيمنة فكرة الخير المطلق والشر المطلق على نقل الأحداث أو تضمين صفة الخير لكل ما يتصل بالثورة، وتضمين صفة الشر لكل ما يتصل بالنظام بشكل غير موضوعي.

وكمثال واضح على ذلك نشاهد إعلام النظام يصور جيشه -مثلًا- بأنه ملائكة الله في الأرض، و «المسلحين» على أنهم شياطين تلك الأرض، وعلى نفس الشاكلة نجد أن إعلام الثورة يقلب الصورة تمامًا، مصورًا النشطاء والثوار وغيرهم من داعمي الثورة بأنهم خير مطلق، وأن النظام وممثليه ومؤيديه شر مطلق. وأن المصداقية والموضوعية تنبع من الثورة وممثليها، وأن كل الكذب والبهتان ينبع من النظام وممثليه.

لكن المشاهد على الأرض يجد أن الموضوع ليس إلى هذه الدرجة من التسطيح والسذاجة، فكما أن النظام يرتكب الفظائع، كذلك -وليس على نفس الدرجة بالطبع- هناك من ينتمي إلى الثورة ويرتكب أخطاءً وفظائع أيضًا، لكن نادرًا ما نشاهده في وسائل إعلام الثورة، وكثيرًا ما يحدث العكس، فربما تُلصق بعض الأخطاء والجرائم «الثورية» بظهر النظام وتُنقل بالتعاون مع قنوات «الحقيقة» على أنها من فعل النظام وأزلامه من باب فضح النظام أكثر، متجاهلين قول الله تعالى: «بل الإنسان على نفسه بصيرة»، فترانا عدنا كما في السابق نخفي أخطاءنا وراء صورنا الجميلة، ونزيف حقيقة واقعنا ونهرب منه بصورة براقة.

أيضا وكنتيجة للتضخم في نقل الخبر نجد أن التجرد من الهدف ونقل الخبر لمجرّد نقله فقط، أو النقل الاستعراضي لأحداث وعمليات لا معنى لها، صار من المشاكل البارزة اليوم، فلا زلنا نشاهد مقاطع تصور أحد الثوار -مثلا- يمسك بقايا قذيفة أو صاروخ قائلًا «انظروا يا عالم قنابل من صناعة روسية» أو «الله أكبر طائرة ميغ في السماء»، أو نشاهد فيلمًا يظهر مقاتلًا من جانب واحد يطلق رصاص بندقيته باتجاه مجهول والمصور يكمل المشهد بلسانه: «أبطال كتيبة (….) يقضون على كلاب الأسد» أو مقطعًا يظهر فيه عدد من الأشخاص الملثمين تظهر الفوضى في لباسهم وفي وقفاتهم، وتبدو الركاكة في كلامهم وأدائهم يعلنون فيه تشكيل كتيبة أو لواء باسم ذو دلالة (عشوائية) تاريخية أو دينية، أو تسجيلًا يظهر جنديًا مسكينًا لاحول له ولا قوة وتكسو وجهه علامات البله والغباء، ترافقه عبارات المصور «هؤلاء هم شبيحة الأسد، جايينك يا بشار» أو سؤالًا يوجهه المحقق للجندي «المرعوب»: شلون عاملوك عناصر الجيش الحر!

الشحن السلبي وتعبئة النفوس غيظًا، كان من نتائج الفوضى والمبالغة واللاموضوعية في إعلام الثورة، فلا أحد ينكر أنّ مستوى الدمار الذي حدث ويحدث في سوريا فظيع جدًا، لكن ألهذه الدرجة من الفظاعة التي يصورها الإعلام؟
إن اختزال المشهد السوري على أنه دمار بدمار، وخراب بخراب، وبؤس فوق بؤس، يومض إلى العقل -العربي خصوصًا-  بإشارات واضحة بأن الشعب السوري لم يأته من تلك الحرية التي طالب بها إلا ويلات الزمان والمكان، وانقلب عليه الإنس والجن وصارت حياته عنوانها الموت وتفاصيلها الاعتقال والاغتصاب والتهجير والجراح، فليتعلم الجميع من تلك التجربة الخلّابة ولْيسيروا سير الشعب السوري إن أرادوا.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن لياقاته النفسية تنخفض إلى حد كبير بعد مشاهدته لنشرة أخبار على أية قناة وأنه يصاب بالقرحة المعدية ربّما وتنهمر عليه مصائب الدنيا بعد تقرير إخباري يصيح بالعذابات فقط…

أيعقل أن سوريا خلت من مظاهر الحياة المتحدية للموت، أيعقل أن يكون كل ما في سوريا هو البؤس، أين معاني الحرية العظيمة، أين الإصرار على البقاء، أين الفرح بكوننا ثرنا على من ظلمنا، أين صورة المستقبل المشرق الذي ينتظرنا والذي يجب على الإعلام أن يرسم لنا تلك الصورة ويطبع في أذهاننا ذلك الخير المأمول جرّاء حريتنا العظيمة؟
ومن المؤسف أن القنوات التلفزيونية العربية والعالمية تقوم بإعداد تقارير وبرامج تحكي حكاية السوريين، حياتهم، تحديهم، إنجازاتهم، أفراحهم، إبداعاتهم خلال هذه الثورة، بينما لا يقوم إعلام الثورة نفسه بإعداد عُشر هذه البرامج والتقارير، بل يكتفي بنقل صور الكوارث والمصائب وأخبار الموت والقتل والتدمير، ليردح مجددًا على أنقاض البلاد..

التعبئة والشحن الطائفي الذي راج مؤخرًا خصوصًا بعد تدخل حزب الله في المعارك بات من كبائر الإعلام الثوري، فبعد تلك الأحداث مباشرة انبرت بعض القنوات إلى تهويل الموقف واختزال الثّورة بالكامل على كل التراب السوري على أنه صراع بين الجيش الحرّ وقوات حزب الله، حيث خُصّصت نشرات كاملة لهذا الموضوع وعرضت الندوات من قنوات مستفيدة -لا محالة- من تلك التعبئة الذي يحقق لملاكها أهدافهم السياسية بالحرب عن بعد دون التدخل والمشاركة..  طبعًا أنا لا أنفِي ضرورة التركيز على هذا الموضوع، لكن ليس إلى تلك الدرجة التي تدفن الثورة وتحولها إلى صراع سني-شيعي في أقصى أبعاده، الإعلام الحقيقي الحريص على إعمار البلد والوصول بالشعب إلى الربيع المنشود، يخفف من ذلك الشحن الذي سيأتي بالمزيد والمزيد من التعقيد على المشهد، والذي سيوقع البلاد في دوامة الحروب الطائفية التي لا يكون فيها رابح أبدًا، بل الكل خاسرون.

إعلام الثورة يحتاج إلى ثورة خاصة، ثورة ترتقي به إلى مصاف بناء العقول والمجتمع ليتحقق الهدف من تلك التضحية التي يقوم بها أبناء الثورة… حتى يخدم الأغراض الحضارية والإنسانية والثقافية والنهضوية لهذا الشعب، لا أن يبقى بتراتبية الأنظمة وعقولها الاستبدادية البالية.

تابعنا على تويتر


مقالات متعلقة


الأكثر قراءة

    Top