داريا، رحلة إلى الحياة

عنب بلدي – العدد 66 – الأحد 26-5-2013
5
«معبر رفح» كما يطلق الثوار على الحارة التي تفصلك عن الحياة خارجًا، وتفصل الثوار عن الحواجز الأمنية المتواجدة على الطريق المؤدي إلى داريا… ما هي إلا دقائق مشيًا على الأقدام لتصبح بنهاية الحارة، ثم يتكفل الجيش الحر بإيصالك إلى داخل المدينة.
داريا تجعلك تتغير من غير أن تشعر، تشعر بالخشوع والخوف فور دخولك إليها وكأنها تنقلك من الحياة إلى الموت، رهبة تجعلك تنسى كل الأشياء «الحلوة» التي كنت قد شعرت بحلاوتها خارج المدينة، وتجعلك تدرك «تفاهة» الأمور التي كنت تعتقد أنها «ذات قيمة» أمام رائحة الموت التي تفوح منها وعظمة الأشخاص الذين يدافعون عنها وجدرانها الحزينة المدمرة.

يصف أبو ماجد، عضو المجلس المحلي للمدينة، أن الحياة  في داريا عبارة عن عمل شاق وطويل يبدأ منذ الصباح وينتهي بآخر الليل ويضيف: «ما يحزنني أننا نتعرف على أشخاص عرفناهم خلال الحرب، تمامًا مثل الحياة خارج  داريا، لكن الفرق أننا نتعرف على أناس أشبه بالملائكة بتفانيهم وقوة إيمانهم… نحبهم ونتعلق بهم وفجأة نفقدهم؛ أتمنى للحظات لو أنني لم أتعرف عليهم، أو أحببتهم، حتى تصل لدرجة أعاهد  نفسي ألا أحبَّ أحدًا بعدها».

تقول إحدى السيدات والتي زارت داريا مؤخرًا: سمعت من شباب داريا قصصًا عشتها بكل تفاصيلها، أحببت أبطالها من دون أن أعرفهم أو أراهم ووددت لو قابلتهم وقصصًا أخرى أبكتني وأحرقت قلبي لخسارة وطني لمثل هؤلاء الأبطال. أيامي داخل داريا كانت عبارة عن صلاة وقراءة لبعض الكتب وتأمل لساعات طويلة، قرأت حتى كتاب «الطلائع» الذي وجدته في البيت، لذلك قررت في المرات القادمة أن أحضر معي كتبًا «قيمة» فقضاء وقتك بالقراءة له «طعم» آخر وأنت بين أزيز الرصاص وأصوات الانفجارات الناجمة عن القصف المتواصل.
في داريا تعيش كل المشاعر بوقت واحد، إذ تفرح للقيا أحبتك وتخاف وتحزن وتبكي وتضحك، وفي بعض الأحيان لا تستطيع أن تصف حالتك أو ما تشعر به.

أصوات التكبير تملؤ سماءها مرافقة لأصوات القصف، فتشعر بالطمأنينة لسماعك التكبيرات وفي بعض الأحيان تشعر بالخوف من أن يطالك القصف فينقلك إلى عالم آخر وتفارق هذه الدنيا، ينقلك إلى التفكير بالجميع حينها؛ تفكر بأطفالك، بوالديك وأخوتك، بأصدقائك.. ويمر شريط ذكرياتك أمامك مسرعًا حاملًا أدق تفاصيل حياتك، فظروف الحرب وفكرة أنك ستموت الآن، كافية لتعيد تفكيرك بكل أمور حياتك وأخطائك وعلاقاتك واهتماماتك وتوقن أن الدنيا لا قيمة لها لدرجة تجعلك تشعر بأن كل ما قمت به سابقًا هو مجرد «أمور تافهة» وتعاهد ذاتك بأنك ستتغير وتعلنها ثورةعلى نفسك «إن نجوت».

وتتابع السيدة: قبل خروجي من داريا بيوم اتصل أبو عمر (مدير المكتب العسكري) بزوجي في وقت مبكر من الصباح يطلب منه عدة أمور، ويقفل بعدها الخط مودعًا إياه ليتفاجأ الجميع بخبر استشهاد أبو عمربعد ساعتين. سماعي للخبر جاء مثل الصاعقة، وشعرت بالدهشة من هؤلاء الناس الذين يعملون لآخر لحظات عمرهم.
يقول أبو ماجد: أبو عمر رجل مخلص لعمله وهو ذو أخلاق عالية، ويتابع: «الشباب بداريا يعملون بإخلاص لآخر لحظات حياتهم وبأي لحظة يتركون كل شي ويرحلون دون أن يودعوا بعضهم»…
بعد زيارتك إلى داريا تكتشف أنك كنت في رحلة «الموت إلى الحياة» لا العكس.

تابعنا على تويتر


Top