مدرستي.. يدوسها شبيح !

عنب بلدي – العدد 66 – الأحد 26-5-2013
6
“مو ع كيفن شو بئالنا نحنا مثلا غير انو ندرس؟؟ لا ضللنا بيوت ولا ضللنا شي”
كلمات قالتها الطفلة آية (إحدى طالبات المرحلة الإعدادية) بعد نزوحها المتكرر عن مدينتها داريا.
تروي آية وصديقتها ديمة القصة مع الكثير من الألم مما أصابهن وأصاب مدرستهن «ثانوية بنات داريا».
قالت ديمة لقد كنا نتابع أخبار المدينة بشكل مستمر مما دفعنا للخروج أنا وبعض الصديقات بعدّة مظاهرات للتنديد بأفعال نظام الأسد بعد اعتقال أقربائنا وأصدقائنا. كنا نخرج أحيانًا بعد انصرافنا من المدرسة وأحيانًا داخل الصفوف، وذكرت آية أنها كانت تخرج بالمظاهرات دون علم أهلها لأنهم لا يوافقون على خروجها.

تتابع آية: في إحدى المرات كنا قد خرجنا بمظاهرة في ساحة المدرسة وكان العدد كبيرًا والأصوات متعالية، لكن ماهي إلا لحظات حتى صرنا نسمع أصوات رصاص قوية .. عندها هلعنا وبدأنا بالصراخ، قفز من خلف الجدار رجل يلبس سترة سوداء وبيده بندقية، هجم نحو جموع الطالبات، كنت أنا من بينهم، وانهال عليهن بالضرب والشتائم.. لم يتجرأ أحد من الفريق الإداري التحدث مع ذاك الرجل، فمن المعروف أنه من رجال الأمن وأن له صلاحيات مطلقة..
تقول ديمة: لم تستطع مدرّسة اللغة الانكليزية مشاهدة كل ذلك العنف من شتم وضرب، فقالت له «حرام عليك لا تضربها شو عملتلك» فما كان منه إلا أن ضرب المعلمة أمام الجميع وتابع ضربه للطالبات بكل وحشية!!

بينما قالت آية:  لقد شاهدت ذلك الرجل يصفع خادمة المدرسة على وجهها بعد أن احتمت بها بعض الطالبات … لقد ضربني على قدمي بعقب ببندقيته فأصابني ألم شديد، تجاهلت الألم وهرعت مع أصدقائي إلى صفوفنا، منهنّ من يبكي ومنهنّ من ينزف من أنفه.
توقفت الدروس في ذلك اليوم وجلس الجميع في صفوفهن تمسح بعضهن دموع الأخريات، وينتظرن المجهول.
دخل عدد من الرجال المسلّحين يرتدون لباسًا مدنيًا بعد أن ركنوا مدرّعتهم المهترئة وبعض من سياراتهم التي سرقوها سابقًا أمام باب المدرسة، وأجرى أحدهم حديثًا مع مديرة المدرسة بينما قام البقية بجولة على صفوف المدرسة.

تقول ديمة: دخل على صفنا الرجل نفسه صاحب السترة السوداء بصحبته رجل يرتدي كنزة زرقاء وقبعة شمسية لأن صفنا مشهور بالنشاطات الثورية التي كنا نقوم بها… دخلوا .. الشّر في عيونهم، وفجأة انهال صاحب السترة السوداء بالضبر على الطالبات بعقب بندقيته وبيديه، ولسانه لا يتوقف لحظة عن السباب والشتائم. بعد أن تعب من الضرب واستنشق بعض الأنفاس، قال «لا تفكروني جاهل لك انا أعلى منكن انت وياها لك انا دارس حقوق وعمري 37 سنة لك انت وياها بجم ما بتفهموا» وتابع سلسلة شتائمه بلهجته الساحلية المعروفة.
بعد ذلك اليوم تغيّبت ديمة وآية وعدد كبير من الطالبات عن للمدرسة وذلك بعد أن منعهنّ أهلهنّ من الذهاب.
قالت ديمة: كانت السنة الدراسية قد شارفت على الانتهاء فقد بقي فيها قرابة الشهر لم اذهب إلى المدرسة سوى عدّة أيام. وكذلك كان حال آية أيضًا، فلم تذهب إلى المدرسة سوى عدة أيام. ورغم ذلك قدمن امتحاناتهن وحصلن على النجاح.
بعد أشهر بدأت السنة الدراسية الجديدة وبدأت معها الحملة العسكرية على داريا.

تقول كل من ديمة وأية: لقد أصبحت طائرات (الميغ) تحلق فوق رؤوسنا وأصوات القصف قوية جدًا، فلم نستطع أن نذهب للمدرسة سوى بضعة أيام. ومن بعدها نزح كلّ منا إلى مدينة مختلفة لتنقطع دراستنا ما يزيد عن الأربعة شهور.
ديمة انقطعت عن الدراسة ثلثي السنة الدراسية بعد أن دمرت مدرستها وبسبب نزوحها عن داريا، والمدينة الجديدة تختلف في عاداتها ونظامها، فقد اضطر والدها لأن يدفع 30 ألف ليرة سورية مقابل شهر من الدوام في مدرسة خاصة وبصفوف مختلطة، مما سبب لها الإحراج في كثير من الأحيان… تقول ديمة: حالتي لا تنطبق على كثير من صديقاتي ممن لا تساعدهن الحالة المادية في ظل النزوح لدفع ذلك المبلغ على أمور ثانوية أمام حاجاتهم الأساسية.

بينما وفقت آية بأن سجلت نفسها في مدرسة عامة ولكن بعد جهد طويل، فقد طافت عددّا كبيرًا من الدوائر الحكومية لنقل أوراقها وتصديقها والإجراءات الأخرى، وفي كل مرة يجب أن يكون والدها المطلوب معها لتسيير أمورها، مما شكًل خوفًا إضافيًا لديها من اعتقاله على الحواجز المنتشرة في أنحاء دمشق. وبعد التحاقها بالمدرسة لاقت معاناة كبيرة في الدروس فلم تفهم معظمها واضطرت إلى اتباع أسلوب الحفظ دون الفهم، وذلك لتلافي التقصير الذي حدث معها.

انتهت سنة دراسية أخرى «بسراج وفتيلة» كما يقولون، ولكن لم ينته بطش النظام ولم تنس الطفلتان تلك الذكرى المؤلمة التي أٌجبرن أن يعشنها، كما أنهن لم ينسين صديقاتهن اللواتي توقفن نهائيًا عن الدارسة..
تقول ديمة «أكيد انتو زعلتوا بس نشالله الفرج قريب وعوضكن على الله نشالله رح تكملوا دراستكن وتطلعوا أحسن من اللي قدم. ورح نبني وطننا الجديد رح نبني سوريا

تابعنا على تويتر


Top