خطباء المنابر بين التنحي والرحيل

عنب بلدي – العدد 66 – الأحد 26-5-2013
عتيق – حمص
8
واحدة من أبرز السمات التي طبعت العامين الماضيين، الإقبال الكثيف على مشاهدة برامج التحليل السياسيّ، والحوارات المفتوحة، والنقاشات الساخنة والباردة، وسماع مختلف الآراء، العربيّة والغربيّة، الإسلاميّة والعلمانيّة، المؤيدة والمعارضة، الداعمة والمتوجسة، إضافةً إلى ظاهرة الشبكات الاجتماعيّة، وتبادل روابط مقالات الرأي، ومقالات التحليل الأكثر عمقًا..
أيضًا شكّل إعلام الثورة تميزًا آخر، خاصة في ظاهرة الجرائد، التي أبدت التزامًا ومهنيةً أعلى من نظيراتها الفضائيّة.
هذا كلّه فتح الوعي العام على المزيد من الآفاق، ووسّع المدارك، وولّد ملكة من التحليل والنقد الشخصيّة، ليست كاملة بالتأكيد، لكنها تشكّل نقلة مهمة عمّا كان موجودًا قبل الثورة.

واحدة من أهم ميادين استخدام ملكة النقد هذه، منابر الجمعة، إذ عاد السوريون بعد كلّ ذلك إلى منابر جمعهم، فوجدوها باهتة جدًا، باردة جدًا، قديمة جدًا، تعيد المعاني والأفكار والتحليلات ذاتها منذ خمسمئة عام، الأمر الذي ولدّ ضجرًا وتبرمًا شديدًا، من فئة واسعة، تشعر بأن للدين معانٍ عملاقة، قزّموها خطباء لا زالوا يظنون، بأن ما صلح بالأمس (هل فعلًا كان هذا الخطاب صالحٌ في يوم من الأيام أصلًا) يمكنه أن يصلح لليوم.
أهم ما تعاني منه المنابر، ضيق أفق روادها، وضعف اطلاعهم على العلوم المختلفة، وانحصارهم في مجموعة نصوص تراثية، ما خبروا غيرها، لا في الفلسفة الغربية ولا الشرقية، لا في العلوم الطبيعية أو الإنسانية، لا في النفسيات والانثربولوجيات..
وهذا بالتأكيد انعكس بشكل كبير على مقارباتهم الفكريّة، ومعالجاتهم الاجتماعية، وأطروحاتهم التغيريّة، إذ جاءت هذه المقاربات ضعيفة المحتوى، لا تعرف من الواقع إلا بعدًا واحدًا، ولا من الوسائل إلا وسيلة واحدة.

فمن أبرز أخطاء الخطاب الديني، تبني أسلوب الوعظ والإرشاد، في معالجة المشاكل الاجتماعيّة، مثل ظاهرة اللباس الفاضح، والتحرش بالبنات، أو حتى مشاكل أقل، مثل الغيبة والنميمة، لم يفهم الخطباء والفقهاء إلى اليوم أن هذه المشاكل هي نتائج للظروف الاقتصادية والفكرية والاجتماعية، وأن أسلوب: إفعل، ولا تفعل، لم يغيّر من الأمر شيئًا، ولن يغيّر شيئًا.
فاللباس الفاضح على سبيل المثال، وما يتبعه من مظاهر التحرش المختلفة، ما هي إلا أعراض طبيعيّة لمشكلة التأخر في التزويج، الناتجة عن عدّة عوامل أهمها ضعف التربية التي تسبب تأخرًا في نضج الشاب وتهيؤه لسنّ الزواج، ومنها الغلاء المرتفع في تكاليف المعيشة (الحديث عن فترة ما قبل الثورة)، ومنها المعايير التي يتمّ على أساسها التزويج.

مثال آخر، مشكلة الغيبة والنميمة، التي كثيرًا ما تُقرّع النساء لأجلها، هي أيضًا نتاج للكثير من الظروف، ولا يمكن حلّها على الإطلاق بطريقة: هذا حرام، ويجلب الإثم، ويدخل إلى النار، وقال الله وقال رسوله.
فالمجتمع الذي ساهم في منع تنشيط المرأة، واستثمار قدراتها ومواهبها في العمل المجتمعي والمدني، عاد ليشكوا من جديد، عن عقل النساء الصغير، وعن المشاكل التافهة بينهن، وكيف أن الغيبة والنميمة تملئ أوقاتهنّ، رغم أنّ هذا هو النتيجة الطبيعية، لتمحور حياة المرأة هو الطبخ والتنظيف.
وهكذا تتم معالجة مختلف المشاكل الاجتماعيّة، بعقلية افعل ولا تفعل، وقال الله وقال رسوله.
بينما الحقيقة أنّه لا يمكن معالجة هذه المشاكل عن طريق الاستشهاد بالنصوص الدينيّة، لأنّ لها ما يغذيها في الظروف الاقتصادية والاجتماعية والفكرية لا يزال حاضرًا.
التغيير قادم حتمًا، والمنابر لن تسلم من هذه الموجة العارمة.

تابعنا على تويتر


Top