من مذكرات معتقل أنا وأخي

عنب بلدي – العدد 66 – الأحد 26-5-2013

زمان الخنوع وعهد الطغاة
تولى بمجد الأباة الجنود
فصافي ويحيى، مهاب عماد
بلال الأشم، محمد رشيد
وليد وبدر، ونوح الرفيق
حماة الديار رجال الحدود
أشادوا الصروح أضاؤوا الطريق
أناروا البلاد فلم لا نسود

قرأ هذه الكلمات على أحد جدران زنزانته، والتحف الدموع غطاءً بات يسكبه من عينيه، ليغطي جسده، إذ أدرك ومن خلال كلمات الرثاء في هذه الأبيات أن أخاه التوأم قد مرّ من هنا، وقد وطئت قدماه أرض هذه الزنزانة المقفرة من أدنى مقومات الحياة.
وعادت إلى ذاكرته قصة محاولتهما الانشقاق عن الخدمة العسكرية، إذ اجتمع يومها مع أخيه التوأم، وأصدقائهما (صافي، يحيى، مهاب، عماد، بلال، محمد رشيد، وليد، بدر، نوح، ماجد، عامر، سامر، وفريد)، وقرروا أن يمدّدوا إجازتهم، ولكن هذه المرة إلى غير عودة للالتحاق بقطعهم العسكرية، وقد عقدوا العزم على تشكيل فرقة صغيرة تضم شملهم، يحققون بها ذاتهم، ويذودون عن الوطن.

ومذ تلك اللحظة لم تعد الأيام لتجمع شتاتهم ثانية، فقد خال كل واحد منهم الآخر في بقعة قاصية من أرض وطنهم السليب، حتى حدود بلادهم لم تعد قادرة على احتوائهم، ودخل هو زنزانته، وبدأ يصنع فتات حياته في عتمة الألم والاستبداد، وكل لحظة يملؤها دعاء لأخيه وأصدقائهم أن يُبعد الله عنهم يد الغدر، فلا تقتاد أحد منهم كما اقتيد هو.

سنة كاملة مرت عليه محاولًا أن يطمئن نفسه بأن جمعتهم الأخيرة تلك ستتكرر، ولكن هذه المرة بعد حريته، وتحت سماء سوريا الأمل، ولم يكن ليسمح لنفسه أن تراوده ولو طيف أفكار أنهم قد تركوه وحيدًا في دنيا الظلم، فقد جاءت الأبيات تلك صاعقة زلزلت كيانه، إذ سرت قشعريرة قاتلة في جسمه، فالكلمات برسم خط أخيه، والأسماء ذاتها، أصدقاء الشرف الذين قرروا حماية وطنهم.

وبدأ يتوسل المولى أن يغلّف آلامه ببشرى تطمئنه على حالهم، ولكن شاء الباري أن يفك عقدة لسان أحد جيرانه في زنزانة الموت، ليحدثه عن لقائه بأخيه التوأم، وبدأ يتلو على مسامعه قصة اعتقال أخيه، واستشهاد أصدقائهم بعد أن نصبت لهم قوى الأمن كمينًا جمعوهم بسيارة واحدة، وقاموا بتفخيخ السيارة، ثم أرسلوا برقيات تعزية لذويهم ليرفعوا رؤوسهم عاليًا بأبنائهم، إذ ذهبوا ضحية إجرام العصابات المسلحة -على حد تعبيرهم-، وذهب هو في غيبوبة صحا بعدها على لسانه يتلعثم من شدة الألم، وهو يتضرع للباري أن يطمئنه عن أخيه وبقية أصدقائه (ماجد، عامر، سامر، وفريد)، ويجمع شملهم علّهم يداوون جراح بعضهم.

ثم جلس باكيًا يكرر:
أشادوا الصروح أضاؤوا الطريق
أناروا البلاد فلم لا نسود
ها قد أناروا الطريق بشهادتهم، فترانا متى نسود..

تابعنا على تويتر


Top