رفعت الأسد والقضاء الفرنسي

محمد ديبو – العربي الجديد

تشكّل حادثة صدور مذكّرة توقيف بحق المجرم السوري رفعت الأسد من القضاء الفرنسي تعبيراً مكثفاً عن جوهر النظام الدولي القائم، وكيفية إدارته العالم، عبر ازدواجيته محتفيةً بحقوق الإنسان لشعوبها، ومحتقرةً لها خارج هذه الحدود.

يقيم المجرم في فرنسا وأوروبا منذ عقود، وأقيمت ضده قضايا عدة على خلفية ارتكابه جرائم حرب، أشرف عليها في ثمانينيات القرن الماضي، فجرائمه ودوره في انتهاك حقوق الإنسان ومجزرة سجن حماة يعرفها الصغير قبل الكبير، ومع ذلك حظي بإقامات “الملوك” في أوروبا “حقوق الإنسان”، وفي حماية “شبه دبلوماسية”، ليستفيق القضاء الفرنسي، اليوم، على اتهام الرجل “باختلاس أموال عامة وغسل أموال وإخفاء عمل موظفين بأجور غير معلنة تدفع نقدا”، و”حيازة ممتلكاتٍ بطريقة سيئة”. هكذا إذن، الرجل الذي سرق بلاداً بأكملها، وخطف أرواحاً كثيرة، وعاث فساداً في بلاده قبل مغادرته لها، متهم بـ “الاختلاس”!

لضبط الرعية على إيقاع “الأب القائد”، اعتمد النظام السوري سياسة الإفساد المتعمّد ليبقى “الجميع مدان تحت الطلب”، بحيث يكون لكل مواطن أو مسؤول ملف يحوي “فساده” و”أسراره”، وحين يحيد المواطن عن “الصراط المستقيم” أو تريد السلطة توظيفه في تلميع وجهها، يحوّل إلى القضاء “بتهمة الفساد” أو “التخابر مع إسرائيل” أو “وهن نفسية الأمة”، وكلنا يعرف مصير رئيس الوزراء الأسبق، محمود الزعبي، وبعض أفراد وزارته (مفيد عبد الكريم وسليم ياسين وغيرهما)، حيث كانت المرحلة تقتضي تجميل وجه النظام بأنه يحارب الفساد! عدا عن أن النظام السوري يلعب اللعبة الفرنسية نفسها، حين كان يستضيف شخصياتٍ قابلة للاستثمار في سوق السياسة، بدءاً من عبد الله أوجلان وليس انتهاءً بآل بوتو! أليس هذا ما تفعله فرنسا اليوم في محاكمة رفعت؟

لا يراد القول، هنا، إن القضاء الفرنسي مثل القضاء السوري، فلا مجال للمقارنة في ما يتعلق بحقوق المواطنين. وأما في ما يتعلق بشؤون الخارج، فإن القضاء الفرنسي، ومعه الأوروبي، قابل للتوظيف والتسييس والتدخل، وليست حقوق الإنسان هنا إلا كذبة قابلة للاستخدام والتوظيف السياسي، وإلا ماذا يفعل رفعت الأسد في فرنسا، وقبلها إسبانيا منذ عقود؟ ومن سكت ويسكت عن الدكتاتوريات، ويوفّر لها الغطاء الدولي في المحافل الدولية، ويرعاها قبل الربيع العربي وفي ظله؟ ناهيك عن أن “إسرائيل” تبقى وصمة عار في جبين أوروبا وقضائها.

ليس السؤال عن رفعت الأسد، بقدر ما يضيء الرجل على مشكلةٍ مزمنة، وبقدر ما يكشف الازدواجية القائمة تحت لعبة المصالح السياسية، خصوصاً إذا طرح سؤال من نوع: كم في أوروبا من أمثال رفعت؟ وكم الذين منهم يحظون بالحماية والأمان والإقامة الدبلوماسية، في وقت تبحث فيه أوروبا اليوم، عن كيفية منع ضحايا هؤلاء من الوصول إلى أوروبا! وهم الذين باتوا ضحايا بسبب هذه السياسة الفرنسية بالذات، ألم تبدأ اللحظة الأولى في تعويم نظام الأسد الأب من تلك المقايضة بالسكوت عن جرائم الأسدين (رفعت وحافظ)، عبر استقبال الأول أوروبياً والسماح للثاني بحكم سورية، والمساهمة في توريث السلطة للابن الذي كان جاك شيراك أول من استقبله رسميا، قبل أن يصبح رئيساً! ثم يسألونك من أين يأتي الإرهاب الذي يضرب فرنسا؟

إنه يولد، بالدرجة الأولى، من عدم العدالة، من الضحايا الذين يولدون بين مستبد وطني يهجّرهم ونظام عالمي يدعم استبدادهم ويقيم السدود بوجه عبورهم، ويضع مصلحته وعلاقاته قبل مصالح شعوب العالم، وضد شعبه أيضاً، أليست الدول الأوروبية بطريقةٍ أو بأخرى مسؤولة عن مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة، حين تعوّم نظام عبد الفتاح السيسي، وألن تكون الحكومة الإيطالية مسؤولة غداً عن مقتل أحد مواطنيها في إيران، إذا أراد فضح انتهاكات الملالي، لأنها تضع اليوم المصالح في علاقتها مع طهران فوق مصالح الشعب الإيراني وشعبها أيضا؟

هنا جوهر المسألة التي تجعل من شعب “نا” درجة أولى، ومن شعب “هم” درجة ثانية، أي تغذية القومية بشكلها الشوفيني الرث، أليست هي القومية نفسها التي دفعت بريطانيا إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، فعلام تشكو فرنسا والاتحاد الأوروبي إذن؟
ليس الإرهاب منتجاً إسلاموياً داعشياً، بقدر ما هو نتاج اللحظة العالمية المعقدة، لحظة تجمع بين إقصاءات العولمة ودعم الاستبداد وتجيير حقوق الإنسان، فلا يبقى لضحايا رفعت الأسد إلا اللجوء أو “الإرهاب”.

تابعنا على تويتر


Top