أزمة قيادة في… الممانعة

بهاء أبو كروم – الحياة اللندنية

ما يجري في شمال سورية يستدعي إعادة قراءة لكل توازنات المنطقة على صعيدي الصراع القائم بين المحاور والأحلاف الإقليمية والدولية، وحجم التداخل الحاصل بين أطراف التحالف الشيعي وروسيا. وهناك ما يؤشر إلى أزمة قيادة حقيقية في استراتيجية «الممانعة» بخاصة بعد تأكُّد تبعيتها للآلة العسكرية الروسية. وقد تشي خلاصة اللقاء الثلاثي الذي جمع وزراء دفاع روسيا وإيران والنظام السوري في طهران بأن المشروع الإيراني في المنطقة بات بحاجة إلى مقويات من النوع الذي تؤمّنه روسيا، وأنه بلا تلك المقويات فإن إيران وحدِها عاجزة عن الصمود في وجه التحولات التي تحاصر أحلامها التوسعية.

إن معادلة الوجود الروسي المستدام في العمليات العسكرية التي تخوضها «الممانعة» كناظم لاستراتيجيتها الشاملة يستدعي النظر إلى موقع روسيا في القيادة باعتباره متصدراً في حقلي الميدان والعملية السياسية. والصيغة التي تعمل عليها الدبلوماسية الروسية قائمة على الظهور بمظهر المُمسك بالقرار الميداني عبر الاستنسابية في التدخل الجوي والتأثير الكبير لهذا التدخل على مسار الأحداث. إضافة إلى الفارق في الحسابات الذي ظهر أكثر من مرة بما يتعلق بمصير الأسد ومعركة حلب ورؤية كليهما للدستور السوري وصيغة الحكم هناك. ولا يمكن إغفال حقيقة أن إيران استنفذت كل إضافاتها النوعية على مجريات الحرب السورية وأهمها حضور قاسم سليماني والحشود الشيعية التي أتت بها إلى سورية كداعم لنظام الأسد، والتي تبدّدت مفاعيلها أمام قدرة الثورة السورية على الصمود والمبادرة.

لكن بعد مضي أكثر من 10 أشهر على «عاصفة السوخوي» من دون تحقيق شيء يذكر على صعيد محاربة الإرهاب، ثم نحو الثلاثة أشهر على الإعلان عن انسحاب القوة الرئيسية لروسيا التي ظهّرت الفراغ الذي يتركه الروس في المعادلة السورية، ثم بعد فشل المسار التفاوضي الذي أظهر التفاهم الأميركي – الروسي في حدوده الحقيقية وهي لا تتعدى تثبيت الهدنة وإدخال المساعدات الإنسانية كحد أقصى، يُطرح على أطراف التحالف الشيعي مع روسيا تحدٍ يتعلّق بقياس حجم التضحيات مقابل المكاسب، فما الذي تكسبه روسيا في حال انخرطت في شكل أكبر في المعارك وارتفعت كلفة تقديماتها تبعاً لرغبات إيران؟ وهل باستطاعة إيران وميليشياتها إعادة بناء استراتيجية عسكرية كما لو أن روسيا ليست في الجو أو في الميدان، تبعاً لما قاله الأمين العام لحزب الله من أنهم قاتلوا 4 سنوات من دون الطيران الروسي؟

يبدو أن المأزق الذي تعيشه الممانعة يستجر سلسلة مآزق متتالية، والواضح أن التورط الإيراني في سورية بات يستوجب دفع أثمان سياسية واقتصادية للدفع نحو انخراط روسي أفعل أو أكثر تناسقاً مع أهداف إيران على الساحة السورية، وهذا ما يضاعف الأعباء على القيادة الإيرانية التي تبحث عن كيفية تنفيذ بنود الاتفاق مع الغرب للمباشرة برفع العقوبات في وقت تبحث روسيا عن الشيء ذاته وتستجدي مساعدة إسرائيل للضغط باتجاه رفع العقوبات عنها. واستطراداً يمكن التساؤل عن الطريقة التي يُترجَم فيها التنسيق الروسي – الإسرائيلي في سورية ومَن هي الرؤوس التي تتطاير نتيجة لذلك؟

هذا التدحرج في مستوى التعقيدات التي تشهدها المسألة السورية بات يتموضع في صلب الأزمة التي يعيشها محور التحالف الشيعي مع روسيا، وهذا يضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام خيارين، فإما أن ينخرط أكثر ويوغل في تورطه ليمسك لاحقاً بمفاصل التَرِكة الإيرانية ويحمل راية القيادة بما يريح إسرائيل ويكرسه شريكاً في قضايا الشرق الأوسط على الأقل لحين تبلور رؤية الإدارة الأميركية القادمة، أو يبدأ في أخذ نصيبه من الموضوع السوري مكتفياً بالتماهي مع الأميركيين في سياستهم الشرق أوسطية في سبيل التركيز على أوروبا التي تتفاعل فيها قضايا الهوية والأمن والمهاجرين وكل هذه الأمور التي تستدعي من روسيا البحث عن ثغرات تنفذ من خلالها إلى تحسين شروطها في المستقبل.

«التوريط» الإيراني لروسيا في قضايا سورية بدأ يرقى إلى مستوى «التفويض»، وهو يعكس سياقاً متصاعداً للتراجع تحت وقع التحولات التي لا تقتصر على الشرق الأوسط وتحت وطأة الضغوط الاقتصادية. في إحدى جولات التفاوض بين الغرب وإيران أيام الولاية الثانية للرئيس السابق أحمدي نجاد قال الأخير بأن «إيران قادرة على المساعدة في أمن العالم واستقراره وأنها تستطيع التأثير في ذلك في أميركا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط».

فالمقايضة التي سعت إليها إيران قبل اندلاع الثورة السورية وأحداث اليمن كانت تتجاوز حدود القارة الآسيوية، أما تلك المتعلقة بالشرق الأوسط فحملت فائضاً من الطموح وقامت على تقاسم النفوذ والهيمنة على دول بأكملها، العراق، لبنان، السودان، وغزة، وكانت سورية بمثابة تحصيل حاصل.

حالياً تطرح إيران حواراً دفاعياً عبّر عن مضمونه بشار الأسد في إحدى خطاباته، وهو حوار الديموغرافيا، (لا التاريخ ولا الجغرافيا)، ويتعلق بجزء من سورية وجزء من اليمن وجزء من العراق، وهكذا!

رفض العرب للتحاور مع إيران يُدخل روسيا إلى المسار السياسي كمفاوض بالوكالة عن كل أعضاء المحور، فيما تركز إيران على تحسين شروطها عبر التحولات الديموغرافية التي تخيطها في العراق، لذلك استعجلت معركة الفلوجة.

إضافة إلى هذا كله فإن مزيداً من أوراق القيادة تتجمع بيد موسكو بخاصة بعدما رفعت درجة تنسيقها مع إسرائيل، وبعدما ندِم أردوغان لإسقاط الطائرة الروسية. نشوة موسكو في الإمساك بإدارة الملف السوري تعكس بعضاً من صفات بوتين الشخصية، فهو لا يقبل الشراكة في القضايا التي يقدم فيها جيشه التضحيات!

كاتب لبناني

تابعنا على تويتر


Top