الهجرة السورية ومسألة الاندماج وأثرهما على العلاقة الاستراتيجية.. كلّس نموذجًا

Syria-Turkey2.jpg

محمد جغيف

إن الهجرات في المنطقة التي تشكل مركزًا للصراع اليوم قديمة قدم التاريخ، وهي هجرات تختلف عما سواها، ولا سيما الهجرة بين العرب والأتراك، فهي على سبيل المثال لا الحصر تختلف عن هجرة السوريين إلى أوروبا؛ فالهجرة العربية إلى تركيا، والسورية خاصة، يتحكم بها موروث تاريخي وجغرافي وديني وثقافي مشترك.

وتدخل هذه الهجرة في صلب العلاقة التي يمكن أن نسميها بالاستراتيجية الحقة، إذا ما قارنّاها بعلاقات أخرى توصف بالصفة نفسها. فالعلاقات الموصوفة بالصفة الاستراتيجية بين البلدان هي العلاقات التي تقوم على مصالح سياسية واقتصادية وعسكرية وجغرافية، بينما العلاقة العربية-التركية بشكل عام، والسورية-التركية بشكل خاص، تأخذ صفة الاستراتيجية الحقة، فهي وإن كانت تراعي عوامل تاريخية وجغرافية وثقافية واحدة ومصالح سياسية وعسكرية واقتصادية -وهذا يقع ضمن التكامل الطبيعي لبلدان هذه المنطقة- إلا أنها قبل كل شيء مرتبطة بالسماء، وقدر لا بُد من استثماره الاستثمار الأمثل وعلى نحو يليق بالأخوة الإسلامية التي فرضها الله ومنَّ بها علينا، وأي علاقة بين الشعبين يجب أن تنطلق من هذه النعمة وهذا القدر.

ومن هنا يمكن أن أبدأ حديثي عن الهجرة السورية إلى تركيا، والتي بدأت بعد انطلاق الثورة السورية، وقبل أن استطرد في الحديث أريد التنويه إلى أني أقول السورية-التركية كتعبير فقط لوصف المسألة، تعبير لم يكن موجودًا قبل مئة عام تقريبًا، أو لم يكن ليوجد لو لم نخسر الحرب العالمية الأولى كدولة عثمانية.

بدأ السوريون بالهجرة الفعلية إلى تركيا في عام 2011 مع انطلاق الثورة السورية وتعرضهم للعنف من قبل النظام الحاكم، وبالمقابل قامت تركيا -التي بذلت جهدها مع الأسد ليغير من سياسته وتبني سياسة إصلاحية- بتبني سياسة الباب المفتوح تجاه المهاجرين السوريين، وبذلت الكثير في هذا الموضوع وما زالت تبذل وعلى كل المستويات.

ولكن على الرغم من ذلك يمكن القول: إنه لم يبذل الجهد الكافي في مسألة اندماج هؤلاء المهاجرين، الاندماج الذي يشكل خطوة من الخطوات المهمة في طريق علاقة استراتيجية تتطلع لمستقبل شعوب المنطقة ككل، ولا سيما العرب والأتراك اللذين يشكلان أكبر قوميتين بين الشعوب المذكورة.

قد تكون هناك أسباب لم أستطع الاطلاع عليها منعت القيام بخطوات في هذا المجال، ولكن ما أراه وألمسه هو هوّة متسعة بين المجتمعين على الرغم من العيش المشترك.

فلو أخذنا مدينة “كلّس” كنموذج نرى أنه لم يتحقق أي اندماج حقيقي، وخاصة إذا ما قلنا إن عدد السوريين يفوق عدد الأتراك في هذه المدينة، وكان هناك عدة خطوات يمكن القيام بها في هذا المجال، وكان من الممكن أن تحقق اندماجًا أكثر لو أنها عُمِلتْ، منها:

عدم افتتاح مراكز لتعليم اللغة التركية: فلم يتم فتح أي مركز لتعليم اللغة التركية في كلّس يرتقي لمستوى المرحلة ومستوى العدد الموجود من السوريين، وتُرِكَ الأمر لمحاولات فردية قام بها المهاجرون، أو مشاريع قامت بها بعض المؤسسات الأجنبية كالهلال الأزرق مثلًا، مع أنه كان يمكن افتتاح مراكز لتعليم كافة اللغات، ولا سيما العربية والتركية والإنجليزية، وتكون إلى جانب ذلك مراكز اجتماعية في نفس الوقت وملتقى شبابي (ولا نُنكر أنه تم في الآونة الأخيرة إعطاء منحة للطلبة السوريين لدراسة اللغة).

عدم افتتاح مركز لتدريس منهاج اليوز (YÖS) الذي يساعد الطلاب على دخول الجامعات ويخفف عنهم عناء السفر وتكاليفه.

عدم افتتاح مركز ثقافي يتبنى الثقافتين العربية والتركية ويقوم بفعاليات مشتركة ويتم من خلاله تبادل الأفكار وإقامة ندوات فكرية وثقافية تخاطب كلا الطرفين وتوجههما لمستقبل مشترك، مع التركيز على التعريف بالتاريخ الواحد وتصحيح ما علق به من شوائب وتوجيه الشباب، خصوصًا لإدراك المصير والقدر الواحد والمشترك وأن كليهما مستهدف وكليهما في نفس الدائرة.

عدم استخدام وسائل الإعلام والإفادة منها بشكل يرتقي لمستوى المرحلة الراهنة ويرتقي لمستوى القرون المشتركة بين القوميتين، والتي يمكن من خلالها توعية الشباب تجاه ما يحاك ضد هذه الأمة، وإضافة إلى ذلك يجب إقامة برامج وفعاليات وإصدار صحف ومجلات مشتركة تخاطب الطرفين لا على مستوى لاجئين فحسب بل على مستوى الأمة.

عدم الإفادة من الفنون السبعة وتفعيلها، وهي مشكلة يعاني منها العالم الإسلامي ككل منذ قرون فمن شأن هذه الفنون أن تكون عاملًا مهمًا في وعي الأمة لو استثمر بالشكل الأمثل، وبشكل يتعرف من خلاله شباب الأمة على إبداعات كل طرف من خلال الأعمال المشتركة والتعرف على المفكرين والمبدعين لدى القوميتين.

عدم تفعيل أعمال الترجمة بين الطرفين، ولا سيما الأعمال التي من شأنها توحيد الأمة ولم شملها الممزق.

عدم فرض أي عمل مشترك يجبر الطرفين على العمل من خلاله تحت سقف واحد مما يتيح تعارفًا أكبر وفهمًا أشمل لبعضهما البعض.

إهمال بعض المواقع المغرضة والمحرضة وتركها تسرح وتمرح وتعلب بعواطف الشباب الذي يعاني أصلًا من داء عدم القراءة لواقعه ولتاريخه.

يجب ألا نهمل الجانب الاقتصادي والاجتماعي، فكلاهما مترابطان وكلاهما يتحكم بكثير من الأمور، فيمكن القيام بمشاريع تؤدي إلى تكامل اقتصادي بين دول المنطقة ويغنيها عن كل احتياج خارجي ويمكن أن يتم الإفادة من المهاجرين في هذا الموضوع وجعلهم سفراء في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

أيضًا لا بد هنا من القول: إن دور الجامعات في هذه المسألة يتسم بالخجل والضعف على الرغم من استيعابها للكثير من الطلاب والتسهيلات المقدمة ويعيش الطلاب المهاجرون عزلة نوعا ما. ولا توجد أي أعمال تذكر للجامعات في هذا المضمار كندوات ومؤتمرات وفعاليات مشتركة وما زلنا نخاف ونخشى من مناقشة كثير من الحقائق وكأننا لا نريد أن نعترف بأننا شيء واحد ومصيرنا واحد وما يربطنا استراتيجي أكثر من أي شيء يحكم العلاقات بين الشعوب والبلدان الأخرى وعليه لابد من جعل الجامعات تقوم بدورها بشكل يتناسب مع مكانتها وقيمتها.

كل ما ذكر، وإن لم يكن كافيًا، من شأنه أن يكون خطوة في طريق علاقة استراتيجية عربية-تركية تكون خطوة بدورها أيضًا في طريق الوحدة الكاملة أو ما يشبهها، من نظام يجمع شمل الأمة ويكون سببًا في نهوضها ومقارعة أعدائها الذين استكلبوا بشكل واضح وما فتئوا يتربصون بها الدوائر.

 

* مدرس في جامعة كلّس التركية

تابعنا على تويتر


Top