حرب الرايات في سوريا

من الأصفر.. إلى الأسود.. إلى نجمتي النظام: الوطن يغرق في الألوان

13557916_1011713722217796_6745819374389898819_n.jpg

مراد عبد الله – عنب بلدي

لطالما وقفنا صغارًا في باحات المدارس، نردد “تحية العلم” في بداية كل أسبوع ونهايته، يسبقنا صوت مدير المدرسة “انتباه.. بدون صوت.. احترموا حرمة العلم”، لتقطع صوته موسيقى العلم وأصوات الطلاب صارخة “رفيفُ الأماني وخَفقُ الفؤادْ على عَلَمٍ ضَمَّ شَمْلَ البلادْ‏”.

الدهشة والاستغراب يرافقنا الآن ونحن أمام المئات بل ربما الآلاف من الصور والفيديوهات التي بثت على منصة الإنترنت، تظهر عشرات الفصائل المقاتلة في سوريا، وقد اتخذ كل منها علمًا أو راية خاصة به، ولا سيما بعد نية المجلس التأسيسي للنظام الفيدرالي الكردي، تصميم علم جديد إلى جانب علم النظام السوري، لنسأل أنفسنا ونحن نتذكر عبارة “على علم ضم شمل البلاد” ماذا بقي منها؟

العلم يعرّف سياسيًا أنه رمز الدولة وعلامة وجودها بين الشعوب والأمم، ويدل أيضًا على الهوية التي تتخذها الدولة لنفسها للتعريف بها أمام المجتمع الدولي، كما يُعرف بأنه “الراية” التي تجتمع إليها الجند، والعلم” و”الراية” و”اللواء” في لغة العرب أسماء لشيء واحد، وهو قطعة قماش ذات لون وقياس مخصوص، ويعقد على عمود من الخشب أو على الرمح يسمى بـ “السارية”، وفق الموسوعات السياسية.

في بداية الثورة انقسم الشعب السوري إلى قسمين بين معارضين رفضوا حمل علم النظام واختاروا لأنفسهم علمًا أطلقوا عليه اسم علم الثورة، وبين مؤيدين دافعوا عن علمهم برفع أكبر علم سوري بطول 2300 متر وعرض 18 مترًا على أوتوستراد المزة في دمشق.

لم يكن ذلك صراعًا على الأعلام فقط، ولكنه، كما عرفنا لاحقًا، بات صراعًا على الهوية، وشكل الحكم، ومستقبل الدولة.

العلم السوري، أو “علم النظام”، كما يحب أن يسميه البعض، هو علم الوحدة السورية- المصرية التي أعلنت في شباط عام 1958 واستمرت حتى أيلول 1961، وتمت إعادة اعتماده من قبل الرئيس السابق حافظ الأسد.

وكما تعلم طلاب المدارس من أدبيات حزب البعث الحاكم، فإن اللون الأحمر يرمز إلى الشهداء، والأبيض إلى العهد الأموي، والأسود إلى الخلافة العباسية، والأخضر للدولة الفاطمية، أما النجمتان فتدلان على الوحدة بين سوريا ومصر.

ومع بدء الثورة رغبت شريحة كبيرة من السوريين المعارضة للنظام بالاستقلال عنه حتى بالرموز الوطنية ما دفعهم إلى تغيير العلم إلى ما يسمى “علم الاستقلال”، الذي تبنته المعارضة والفصائل التي تندرج تحت “الجيش الحر”، وله دلالة تاريخية تتعلق بالمقاومة ضد الاحتلال الفرنسي والاستقلال منه، مشبهين النظام بـ “الاحتلال”.

الجغرافيا السورية انقسمت إلى أربع مناطق تسيطر عليها أربع قوى رئيسية هي: جيش النظام الذي بات يسيطر من محافظة السويداء إلى طرطوس واللاذقية ومعظم أحياء دمشق، وكتائب المعارضة المسلحة، تحت راية “الجيش السوري الحر” التي تسيطر على محافظة إدلب وبعض المدن والبلدات في محافظة حلب، وعلى أجزاء كبيرة من محافظتي درعا والقنيطرة، ومعظم أنحاء ريف دمشق. أما “تنظيم الدولة” الذي بات حديث العالم، برايته السوداء، فيفرض سيطرته على معظم محافظة دير الزور شرقي البلاد، ومحافظة الرقة في الشمال الشرقي وأجزاء من محافظة الحسكة، ومناطق أخرى شرقي سوريا. وتسيطر القوات الكردية، برايتها الصفراء، التي تحملها “وحدات حماية الشعب”، التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، على ثلاث مناطق منفصلة شمالي البلاد وهي شمال محافظة الحسكة، لا سيما مدينة القامشلي، ومنطقة عين العرب (كوباني)، شمال شرقي محافظة حلب، ومنطقة عفرين شمال غرب المحافظة ذاتها.

بالنسبة إلى من هم مثلي، وهم يعدون بالملايين في سوريا، من إجمالي عدد السكان الذي يزيد عن 23 مليون نسمة، فربما يفضلون علمًا واحدًا لأسباب عديدة، لكنهم أيضًا لا يقبلون علمًا كرس عقودًا من الاستبداد والقمع.

لو كان الممثل عبد الرحمن آل رشي حيًا لسأل نفسه، وهو يغني “لالي لالي لالي ياعلمنا لالي بالعالي (عن أي علم أتحدث ولأي راية أغني؟)”.

فالعلم رمز للوطن، وللعلم قدسية، وهو دليل على الانتماء، والوطنية، وليس فقط عنوانًا للهوية، ولا مجرد شعار للأمة، ولكنه أيضًا علامة على الوحدة والاندماج الوطني والتكامل الإقليمي.

تعدد الرايات بات شيئا مقلقًا في سوريا، لأنه يرمز إلى التفتت أكثر من إشارته إلى التنوع والتعايش.

مقاتلون من جنسيات متعددة يقترب عددها من المئة انحدروا إلى سوريا من كل حدب وصوب، شكلوا المئات من الفصائل والميليشيات المقاتلة ورفعوا رايات تميزها، ووضعوا أهدافًا وأجندات خاصة بها.

وبوسع أي متابع أن يرصد تلك الراية السوداء والتي تحمل شعار “لا إله إلا الله “، في إشارة لـ “الجهاديين”، ويرفعها تنظيم “الدولة” وعددٌ آخر من التنظيمات ذات الارتكاز الإسلامي السني، أو بعض الأعلام التي ترمز إلى المواطنين الأكراد ومشاربهم السياسية ومنها هذا العلم ذو الألوان الأبيض والأصفر والأحمر، والشمس في المنتصف.

ليست تلك كل عناصر فسيفساء الأعلام السورية، فهناك رايات تحوي عبارات طائفية، مثل “يا حسين.. ويا زينب”، وهي رايات ترتكز على تطرّف شيعي وتؤصل للمقاومة من وجهة نظر البعض، وتشير إلى التفتت والحرب الأهلية من وجهة نظر آخرين، ويسميها البعض مقاومة وجهادًا، فيما يصرّ آخرون على أنها ليست سوى إرهاب.

تعلمنا أن العلم يمثل لنا الفداء للوطن، والتضحية لترابه، فعن أي تراب الآن نضحي وعن أي علم ندافع، ونحن نرى مئات الأعلام والرايات تحت سقف سوريا، فلا وحدة وسيادة إلا باجتماع على علم واحد.. هكذا يخبرنا التاريخ.

تابعنا على تويتر


Top