القلب في سوريا والعقل مع بوتين!

محمد رشدي شربجي

يشرح عقيل سعيد محفوض، بكتابه المهم عن الاستمرارية والتغيير في السياسة الخارجية التركية، الاقتصاد السياسي للسياسة الخارجية التركية، ويشير باقتدار إلى مفهوم السياسة الريعية والعائدية الاقتصادية عند الأتراك، إذ يتجلى الحرص على تحصيل عائد اقتصادي لأي علاقة سياسية، وهكذا تصبح السياسة الخارجية وسيلة لتعظيم المكاسب الاقتصادية والتفاعلات التجارية، والحصول على الريع، ووسيلة لتأمين المدخلات السياسية والأمنية للدولة.

تميزت السياسة الخارجية التركية بـ “فك الارتباط” النسبي بين السياسة والاقتصاد لجهة أن التوتر في العلاقات السياسية لم يكن ينعكس على العلاقات الاقتصادية، ونادرًا ما بادر الأتراك لفرض عقوبات اقتصادية من أي نوع حتى عندما يفعل خصومهم ذلك، وهو ما يفسر أن التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل استمر على ما هو عليه (بل ازداد) بعد حادثة مقتل الناشطين الأتراك بالرغم من انقطاع العلاقات الدبلوماسية والتنسيق الأمني بين الجانبين، وذات الأمر ينسحب على التبادل التجاري بين تركيا وكل من العراق وإيران وروسيا.

يستند حزب العدالة والتنمية إلى كتلة انتخابية تؤيد مساره الاقتصادي، وليس الأيديولوجي بالضرورة، وهناك ثقة أكبر في الإدارة البلدية والحكومية والسياسية والاقتصادية، من ثم فإن الحفاظ على الدعم الانتخابي والسياسي لهؤلاء الطامحين بالتغيير والإصلاح الاقتصادي هو رهان لدى الحزب، الذي يدرك أن الفشل أو التردد في مواجهة الأزمات الاقتصادية قد يؤثر سلبًا في طبيعة تأييد الناخبين له، ولذلك يتحدث القادة الأتراك بكثرة عن إنجازاتهم الاقتصادية، ويشكّل موضوع الناتج المحلي والقومي ومعدلات زيادة الأجور أهم مفردات الخطاب السياسي والإعلامي للحزب.

لا يشكل حزب العدالة والتنمية بمنطقه هذا حالة فريدة في العالم بالتأكيد، بل هو منطق السياسة الليبرالية الحديثة إلى حد بعيد والتي ترى أن وظيفة الدولة هي تأمين الرفاه لمواطنيها، وهو المنطق الذي اعتمدته ألمانيا كبديل عن عقيدة “التفوق الآري” التي أدخلتها في حربين عالميتين، ولكن ما يشكل حزب العدالة والتنمية حالة فريدة فيه، أنه يعتمد في خطابه على الإسلام أيضًا، ما يجعله ضمن إطار الأحزاب الإسلامية التي ترى للدولة وظيفة مختلفة عادة، وهو ما زاد الالتباس والغموض بشأن الحزب، ولعل تصريح جاويش أوغلو وزير الخارجية التركي، على هامش اجتماع جرى في إيطاليا العام الماضي، بأن الحرب في الماضي كانت تجري بالجيوش واليوم تجري بالاقتصاد يعبر عن الكلام السابق.

مع انطلاق ثورات الربيع العربي شعرت تركيا أن لحظتها قد حانت، ومع تعويلها على حركات الإسلام السياسي بدا أن حلفًا يربط أنقرة بتونس العاصمة مرورًا بطرابلس الغرب والقاهرة ودمشق بات أمرًا قريب المنال، وساد في أوساط النخب التركية أن عقيدة “صفر مشاكل مع الجوار”، التي أرسى دعائمها أحمد داوود أوغلو، يجب تجاوزها لصالح سياسة خارجية أكثر نشاطًا، فالشرق الأوسط يعاد تشكيله من جديد ولن تقبل تركيا بأن تكون غائبة بعد قرن من تشكيله الأول.

راهنت تركيا على دعم خيار الشعوب وتطلعاتها، واصطفت مع الثورات العربية مدفوعة بخيارات جيواستراتيجية وأخلاقية في آن معًا، وهو ما أوقعها في خصومة مع دول الخليج التي رأت في هذه الثورات خطرًا عليها ودبرت بالتالي انقلابًا عليها في مصر، ورعت آخر فاشلًا في تونس المتعثرة بدورها.

وبغض النظر عن دوافع تركيا تجاه الثورة السورية واستقبالها الكريم لملايين اللاجئين، إلا أن سياستها تجاه سوريا منيت بالفشل الذريع وفقدت تركيا اليوم كل حدودها مع سوريا لصالح قوى معادية لها، كما سببت لها هذه السياسة خصومات مع كل دول الجوار والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، تجلت بتراجع اقتصادي واضطراب داخلي وهجمات إرهابية متواترة، ما جعلها بالنهاية تعيد قولبة سياستها لصالح تخفيف الأعداء وهو التوجه الذي مهدت له القيادات التركية إعلاميًا على مدى الأشهر الماضية، وتوّج بالمصالحة التركية الإسرائيلية وتطبيع العلاقات مع روسيا.

في اجتماع في أحد فنادق اسطنبول آذار الماضي، قال نائب الرئيس التركي بلغة عربية فصيحة لمجموعة من السوريين إن تركيا دولة وطنية في نهاية المطاف، وستتصرف وفقًا لما تمليه عليها مصالحها القومية والجيواستراتيجية، فـ “تركيا قلبها معكم ولكن ليس بالضرورة أن يكون عقلها دائمًا معكم”.

لماذا تهمنا السياسة التركية أكثر من أي دولة أخرى؟ ربما لأن تركيا لاعب أساسي في سوريا، وربما لأنها شكلت على مدى عقد “النموذج” للإسلاميين العرب الذين حمّلوها غالبًا ما لم تحمل، وقوّلوها وأوّلوا أفعالها على غير ما يحتمل التأويل، ولكن ما يجب أن يهمنا أنّها دولة بالرغم من كبرها وقوتها إلا أنها تدرك حجمها وحدودها في لعبة الأمم وتراجع خطواتها “بعقل” لتحافظ على مصالحها وحلفائها، تمامًا كــ “مجاهدينا” الذي يريدون هزيمة أمريكا وأوروبا وروسيا بسلاح خفيف اشتروه من هذه الدول ذاتها، تركيا قلبها مع سوريا وعقلها مع بوتين، آن الأوان ليكون عقلنا حيث قلبنا، مع سوريا!

تابعنا على تويتر


Top