الهروب من الموت إلى الموت

عنب بلدي – العدد 67 – الأحد 2-6-2013
6
دقات قلبها تكاد تتوقف، وشحوب لون وجهها يثبت لجميع من يراها أنها خرجت من الموت لا محالة، أم هشام، امرأة في عقدها الخامس، كانت قد عادت وعائلتها لمكان نزوحها بعد رحلة استمرت يومين من «الموت المحقق» بعد أن قرروا الخروج من سوريا عن طريق الأردن.
رحلة عائلة أم هشام باتجاه الأردن كانت رحلة نحو الموت، اجتازوا عشرات الحواجز، وكل حاجز يوقفهم، يأمر الشباب أن ينزلوا من السيارة، يصطفون بانتظار تنفيذ تهديدات الضباط بإعدامهم ميدانيًا وتارة تأمر الحواجز النساء بالنزول وتارة يُنزلون الأطفال، ليصلوا إلى حاجز «نصيب» بعد جهد جهيد، ويجبرهم الحاجز على العودة من حيث أتوا فقط لأنهم من «داريا» وأن عبورهم للحدود من سابع المستحيلات، ليعودوا وتتكرر مأساة المرور على «حواجز الموت» في طريق العودة، وتتكرر الإهانات ويطرق الموت بابهم مئات المرات، حتى وصلوا بقدرة قادر إلى مكان نزوحهم الأول «سالمين» إلا اللهم من مرض أبقى أم هشام طريحة الفراش لمدة أسبوعين من هول ما رأت خلال تلك الرحلة.

عائلة أم تميم اضطرت هي الأخرى أن تجتاز رحلتها من الموت إلى الموت ولكن بنكهة مختلفة، فالمزرعة التي أووا إليها بعد نزوحهم من داريا كانت وجهة لجنود «الجيش الباسل» حين اشتد بهم الخناق وحاصرهم الجيش الحر في مكانهم فوجدوا أن دخولهم للمزرعة والاحتماء بالمدنيين الطريقة الأفضل لحماية أرواحهم، عشرات الجنود اقتحموا المزرعة وأجبروا العائلة على الخروج من داخلها وتركها لهم وأمروهم بالمكوث في غرفة جانبية صغيرة لم تكد تتسع لهم بعد أن أمروهم بإجراء إسعافات أولية للجنود المصابين. ليطرق بابهم بعد مرور بعض الوقت، يأمرهم الضابط أن يفتحوا الباب، يخرج ابنها الشاب ليجد عنصرًا من عناصر الجيش الحر عند الباب ويسأله عن الجنود فيما إذا دخلوا المزرعة واختبأوا فيها، ويجيبهم بالنفي مومئًا بوجهه بإشارة فهمها جندي الجيش الحر فطلب منهم الخروج من الباب الخلفي ليخرجوا بثيابهم تحت وابل من الصواريخ المنهمرة والشظايا المتناثرة وتدور اشتباكات في المزرعة وتحترق بأشيائهم القليلة التي حملوها معهم في أول مرة نزحوا فيها من منزلهم.

أما مريم، سيدة في العشرينيات من عمرها، بقيت في داريا رغم الحملة العسكرية الشرسة طوال ستة أشهر، ازدياد وتيرة القصف وشح الموارد وانعدام مقومات الحياة أجبرتها على خوض مغامرة تعرف أن نهايتها الموت أو الموت داخل أسوار المدينة المحاصرة، فقررت الخروج بأطفالها إلى إحدى حواجز النظام وأخبرتهم أنها لم تعد تتحمل شدة القصف وقسوة الحصار وبأن «العصابات المسلحة» حولت حياتها وحياة عائلتها إلى جحيم، وحاولت استدرار عطفهم ليسمحوا لها بالخروج، وشهدت الموت بأم عينيها هناك، شبان يوقفهم الحاجز، يقوم الجنود بضربهم، وأصوات صرخاتهم تكاد توقف قلبها، ثم يقتادونهم إلى «المجهول» ومريم تنتظر «مجهولها» هي الأخرى حتى أنهكت قواها، وعاشت الموت بكل تفاصيله مع أطفالها حتى سمح لها «جنود الوطن» باجتياز الحاجز والخروج إلى الحياة.

نجحت مريم في اجتياز حاجز الموت بعد ساعات من انتظار «موتها» لحسن حظها فيما ذهب كثيرون في «عداد المفقودين» في محاولات هروبهم من الموت ليلقوا موتًا مو نوع آخر وبنكهات مختلفة مقاديرها الخوف وانتظار قرار باعتقال أو إعدام ميداني أو في معظم الأحيان، برصاصة قناص..

تابعنا على تويتر


Top