نادي الإيجابية

عنب بلدي – العدد 67 – الأحد 2-6-2013
عتيق – حمص8

واحدة من صراعات الساحة السوريّة، تلك التي تدور عادةً بين فريقين مشهورين: المتفائلون والمتشائمون، وكلّ في جعبته الكثير من الأدلة والبراهين والنظريات والوقائع والتسريبات التي تدعم وجهة نظره، وتدحض الأخرى، المتشائم نادرًا ما يسمّي نفسه متشائمًا، بل يحبّ أن يكنى بالواقعيّ، والمتفائل يميل أيضًا إلى تعابير أخرى، مثل الأمل، وتوقع الخير، والفأل الحسن.
ورغم قلّة أعداد مرتادي نادي المتفائلين في الوطن العربي عمومًا، قبل الثورة وبعدها، ورجحان المزاج النفسي المتشائم الجالب للكآبة، فإن المعارك بينهما لا تهدأ، فبينما يعدّد الأول كل مظاهر الخير والهمّة والبركة والتغيير التي أشرقت بعد الربيع العربيّ، ينبري الفريق الآخر للتحدث عن الأمان الضائع، الدمار الاقتصادي، فقدان البنية التحتيّة، تفتت الجيش، ضياع مؤسسات الدولة، التحول لساحة صراعات إقليمية الخ
لا يهدف المقال إلى ترجيح طرف على آخر، بل يدعو أعضاء الناديين التاريخيين الشهيرين إلى تقديم استقالتهم فورًا، والانضمام إلى ناد جديد، تم تدشينه إبّان الربيع العربيّ، لكنّه لم يأخذ حظّه من الإعلام والانتشار، إذ غالبًا ما لا تتضمن الأجندات الإعلاميّة التبشير بما هو عمليّ ونافع.
النادي الجديد هو نادي الإيجابيّة.

يهتم نادي المتفائلين ونادي المتشائمين «بتشخيص» الواقع، لبلورة صورة جميلة أو سوداء عنه، بينما يهتمّ نادي الإيجابيّون «بالعمل» في الواقع.
المتفائلون «يرون» ما في الواقع من خير، الإيجابيون «يعملون» على استثمار هذه الإمكانيات وتنميتها.
المتشائمون «يرون» ما في الواقع من شرّ، الإيجابيون «يعملون» على حلّ هذه المشاكل، وإيجاد حلول أمام التحدّيات المختلفة.
نادي المتفائلين «يهتمّ» بتعداد كل مثالب الماضي، للتأكيد على أهمية التغيير وضرورته، الإيجابيون يحذرون من تكرار تلك الأخطاء، و «يرصدونها» في أنفسهم، لتجاوز أي خلل.
نادي المتشائمين «يهتم» بتعداد كل منافع الماضي، للتأكيد على مساوئ حركة التغيير، الإيجابيّون يفحصون تلك المنافع، و «يبذلون» الجهد لإعادة الجيّد منها حقًا.
المتفائلون والمتشائمون، كلّ منهم يقدّم «تصورًا» حول المرحلة القادمة، مبنيًا على «تحليلات» نظرية وواقعيّة عديدة، الإيجابيّون يقدّمون «أعمالًا» تساهم في بلورة المرحلة القادمة.
المتفائلون والمتشائمون غارقون في تحليلاتهم، ومتابعتهم للأخبار، والتقارير، وتحديثات الحالة، وإشعارات الشبكات الاجتماعيّة، ويصرفون باقي وقتهم في «عمل» ما لدعم الربيع العربيّ، قد لا يمسّ حاجة الناس بشكل مباشر، عن طريق مساعدات ماليّة من بعيد.
الإيجابيون نادرًا ما تراهم على الشبكات الاجتماعيّة، إذ يستغرق الواقع والعمل المباشر فيه تحت مخاطر الاعتقال أو القصف، جلّ وقتهم.
الفريق الأول عندما يفرح أو يضحك أو يحقق نجاحًا أو يقيم علاقة حب أو زواج، يشعر بتأنيب الضمير، بينما نادي الإيجابية فيه ضحك حقيقي من القلب، وفرح يوميّ، وحبّ ينمو ويثمر زواجًا.

وهكذا نجد أن الفارق الجوهريّ بين ناديي التفاؤل والتشاؤم، ونادي الإيجابية هو «العمل» بل استغراق العمل الواقعي والمباشر على الأرض جلّ وقتهم وتفكيرهم. وهذا بالتأكيد ينعكس بشكل واضح على مزاجهم النفسيّ الذي يتّسم بالأمل والصبر عمومًا (دراسات نفسية محترمة تؤكد الأثر الإيجابي للعمل على مزاج الإنسان)، لذلك عندما بشّر رسول الله (ص) صحابته بفتح الشام، لم يكن جالسًا في حلقة المسجد، أو ماشيًا في السوق، بل كان معهم يحفر الخندق، ولأنّه كان يحفر الخندق كان من الممكن له أن يستبشر خيرًا.
لذلك أيضًا ربط تعالى بين الإيمان والعمل الصالح وبين صلاح البال: وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ
أما حسينيات الفيسبوك وتويتر وطقوس اللطم والبكاء والعويل، وتناقل الأخبار فلن تثمر «عملًا صالحًا»، ليس المهم أن نحلل الواقع ونتنبّأ به، المهم أن نعمل على تحقيقه ورسمه.

تابعنا على تويتر


Top