اللاانتماء والإقصاء

حنين النقري – دوما
7

لم تقم الثورة على أكتاف فئة دون الأخرى، وليس لفئة فضل أو منّة على أخرى بها، لكنّ لا يخفى أن من يعمل بها اليوم، ليسوا ممن كانوا أمس في الساحات، أو على الأقل، معظمهم.. فأين ذهب المتظاهرون؟
حديثي بشكل خاص عن المتعلّمين والمثقفين، ممن ساهموا بالثورة فعليًّا في بداياتها، ممن نسّقوا لأخطر المظاهرات والاعتصامات، هربوا تحت جنح الرصاص في الساحات، واجهوا رجال الأمن المدججين بصدور عارية في الصدامات الأولى معهم.. المعتقلين الأوائل، والصادحين الأوائل بصوت الثورة.. أين هم اليوم في طور  العسكرة والتسلّح، بعيدًا عن ميادين المظاهرات.. وهل أقصت الثورة أحدًا؟
البعض منهم حمل السلاح بين صفوف الجيش الحرّ، والبعض الآخر وجد أن بساط الثورة سُحب من تحته وأنه ما من دور له ما بين البنادق والخنادق، فآثر الهجرة، أو الانسحاب كمراقب متأسّف بعيد عن الساحات..
الانسحاب عن الساحات لم يكن فقط بسبب عدم الرغبة بالتسلح وعدم الخبرة فيه، بل لعلّه -بشكل أوضح- لعدم الرغبة للانضواء تحت راية ما، وتحت فكر ما..

من يعيش في واقع محرر، من يحتّك بالناشطين المثقفين فيه سيدرك تمامًا المعنى الذي أقصد، ثمّة من أعرف ممن نسّقوا لمظاهرة الحريقة الأولى، لكنهم اليوم وجدوا أنفسهم مقصين عن المجتمع شاؤوا أم أبوا، شعور مبهم وحقيقي بالغربة والقيود والديكتاتوريات المتفرّقة، بسبب تجاذبات الانتماءات في الساحات، بسبب مشاكل الدعم والولاء، والتمويل والأدلجة، تجدهم اليوم -وهم الفئة الأكثر اتساعًا في المجتمع حقيقة- ميّالون للاانتماء، للا توجه، للا حزب، وألا تنتمي، يعني بلهجة أخرى.. ألا عمل لك في المجتمع!!
ﻷن أي عمل.. أي عمل حتى التطوعيّ، الاغاثي، الطبّي، الإعلامي، ستراه تابعًا لفصيل ما، لجهة ما، لتيّار فكريّ ما، وينبغي عليك أن تنتمي لهذا التيار إن أردت العمل فيه، لا يبدو في الأمر غضاضة عن بعد، لكنه عن قرب مزعج، منفّر، مقلق لكل من يحب خدمة الإنسان «كإنسان» بعيدًا عن انتمائه، لكل من يرغب بعدم المساهمة في مزيد من الهوّة بين الصفوف والجماعات، إن أردت أن تقوم بعمل ما فأول سؤال سيواجهك «من تتبع؟ لمن تنتمي؟» وكأن عملك يأخذ قيمته من الانتماء لا النفع للبشر…

المشكلة ليست في أن تعجب بفكر معين، بل في أن تكون ملكًا لمنظومة فكرية، وليست المشكلة في أن تعلن انتماءك لتيّار ما، بل هي في إقصاءك لمن هم خارجه، المشكلة كل المشكلة في التعصّب لمنظومتك، لتقبّل الأفكار الناتجة فيها وعنها على أنها خير مطلق، ونظرتك لكل ما ينتج عن سواها  على أنّه شرّ مطلق!
ليس انتقادي لأفكار أي منظومة موجودة، بل في طريقة التعبير عنها، في النظرة المثالية لها، وفي النظرة لما سواها على أنه خطأ كلّه..
إن كنت من فئة «اللامنتمي» وأردت التأسيس لمشروع مدنيّ ما، فإن المتاعب ستحفّ بك من كل جانب، مشاكل التمويل والعمل على الأرض والإقصاء من قبل جهة أو أخرى والتشكيك بنواياك أو عدم انتمائك… عدم التعاون معك.. أو اشتراط تملكك مقابل مساندتك، ستجد الكثير من هذه العقبات…

كل هذه الأمور جعلت المشاركين في بدايات الثورة وغير الراغبين برفع راية حزب ما يشعرون بالإقصاء اليوم، ولست ألوم أحدًا في إقصائهم إلّاهم!
ﻷنّ العقبات التي تجابهنا -أيّا كانت- لا يجب أن تواجه بالانسحاب بل بمزيد من الوجود والإصرار..
لم يجعل الساحات اليوم ملكًا لزيد وعمرو من الناس إلا انسحاب من هم أكثر قدرة على تسيير الأمور، لدينا جميعًا أفكار تغني المجتمع، ومهارات فريدة لا يمتلكها سوانا، وأي إقصاء ﻷنفسنا -مهما كانت الصعوبات في وجهنا- يعني أن مهارة وفكرة مهمّتين غابتا عن الساحة، يعني أن قوس قزح فقد أحد ألوانه المميزة، يعني أن مشكلة استفراد انتماءات معيّنة في الساحات في تفاقم وتزايد، ما لم نعلن وجودنا نحن كأفراد، بفعلنا لا بقولنا!
هل سنستطيع بصفتنا أفرادًا أن نعيد وجودنا في الساحة؟ أن نتعاون مع الجميع دون أن يملك حرّية فكرنا أحد؟ هل سنستطيع أن نحيي روح الألفة والمرونة في المجتمع لتأليف القلوب والعقول وتأسيس مشاريع تعاونية مشتركة مع جميع الأطياف، لا يكون الملك فيها ﻷحد، وتكون موجهة للجميع دون تمييز؟
إجابة كل هذه الأسئلة بأيدينا لو أردنا..
دمتم فاعلين…دمتم أحرارا..

تابعنا على تويتر


Top