الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي

محمد رشدي شربجي

في أحد كتبه أشار المهاتما غاندي مرة إلى أن السلطات البريطانية كانت تصدر بطاقات التعريف للمسلمين في الهند بلا صورة، نظرًا لحساسية المسلمين من التصوير لحديث ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام في البخاري “إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون”.

وقد شغلت قضية التصوير الفوتوغرافي المجال العام الإسلامي لعدة عقود من الزمن، وهو ما دفع الشيخ محمد بخيت المطيعي، المتوفى عام 1935، إلى تأليف كتاب ذي عنوان لطيف أسماه “الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي”، وما يزيد الكوميديا سوداوية ربما أن كلمة “كاميرا” نفسها مشتقة من كلمة “قمرة” التي نحتها عالم البصريات المسلم ابن الهيثم.

منذ فجر الإسلام الأول، غالبًا ما تنافست أمام كل المستجدات رؤيتان تنطلق كلاهما من مرجعية النص كمرجعية لا يمكن تجاوزها، القراءة الأولى تلتزم بحرفية النص بغض النظر عن سياقه وروحه ومقصده وتبدل معناه مع مرور الزمن، والقراءة الثانية لا ترى النص بمعزل عن محيطه، أو ما اصطلح على تسميته بالصراع بين “العقل والنقل”، الذي كان أشبه في حقيقته بين النقل وبين إعمال العقل في النقل، ولم تكن الأمور خالية، كما كل شيء آخر، من تأثير السياسة، وغالبًا ما غيّر الحاكم النص أو بدله أو تجاوزه ببساطة حين أراد، ولم ينقصه بكل الأحوال الشرعية الكافية و”العلماء” لتبرير ذلك، وهذا نقاش آخر.

خلافًا للشائع لم تكن العلاقة بين “علماء” الشريعة و”علماء” العلوم التطبيقية على ما يرام، ولم يكن علماء الحضارة العربية الإسلامية الذين نفخر بهم اليوم على علاقة ودية مع مشايخ المؤسسة التقليدية، ودائمًا ما وقف علماء الفقه موقف المتردد المشكك تجاه الأسئلة المتجددة التي يطرحها العلم التطبيقي كل حين. كان أبو بكر الرازي لا دينيًا إلى حد ما، وقال ابن تيمية، والذي هو بدوره أيضا كان ضحية للمؤسسة التقليدية بآرائه الدينية التي أودت به في سجن القلعة بدمشق، عن ابن سينا “إنه كان هو وأهل بيته وأتباعه معروفين عن المسلمين بالإلحاد”، وكذا انتقد ابن تيمية أيضًا جابر بن حيان عالم الكيماء الشهير في كتابه “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية”.

بقيت المؤسسة التقليدية مسيطرةً على المعنى وحاكمةً له على مدى القرون، وقد جرت عملية أشبه بالسطو على التاريخ، بتعميم قراءة تضفي القداسة على كل ما هو تاريخي لدينا وإظهاره كلًا متجانسًا متناسقًا لا عيب فيه، فاليوم يخبرنا المشايخ أن التزامنا والتزام الأمة بما يقوله مشايخ الأمة ” وعلماؤها” سيعيدنا إلى عصر الحضارة الإسلامية، عصر الرازي وابن سينا وابن الهيثم وجابر بن حيان، الذين كانوا يعاملون في زمانهم من قبل مشايخ الأمة أنفسهم كمنشقين وضالين وخارجين عن الصف!

لم يدم نقاش حرمة التصوير طويلًا، ولم ينتهِ إلى نتيجة، وبحث بسيط على غوغل يظهر عشرات المواقع التي مازالت تتداول في القضية، إلا أن ما حدث أن الزمن تجاوزه، واليوم يتصدر المشايخ الذين صدعوا رؤوسنا ورؤوسهم بحرمة التصوير الشاشات على مدار الساعة ليحدثونا عن عظمة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان.

أثارت قضية رؤية هلال شوال النقاش مرة أخرى، وأكثر ما ظهر الانقسام في أوروبا بين من أراد الصيام اتباعًا للفلك ولفتوى المجلس الأوروبي، وبين الكثيرين الذين فضلوا الإفطار وفقًا لبلدانهم الأصلية، ما يسلط الضوء بدوره على مشكلة الاندماج وهذه ليست قضيتنا هنا، ومن الغريب أن المشايخ الذين يشهرون سيف أهل الاختصاص بوجه كل من يريد أن يتحدث في قضايا الدين، لا يجدون حرجًا على الإطلاق في التدخل بعلماء الفلك حين قالوا كلمتهم في القضية.

ليست قضية رؤية الهلال قضية صغيرة هامشية كما يعتقد البعض، بل هي تعبير عن أزمة العقل المسلم في تعامله مع النصوص، هذه النصوص التي سجنت أممًا بأكملها في صحراء الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، بدل أن تكون مفتاحًا لهم لفهم الحياة، النصوص التي تجعل أممًا كاملة في القرن الواحد والعشرين تبحث في السماء عن قمر تعرف أنها لن تجده، نصوص انتهت بمجانين يفجرون أنفسهم في مدنيين آمنيين في مدن العالم وحواضر المسلمين وقرب قبر رسول الله.

ليس لدي شك أن نقاش رؤية الهلال سيلقى مصير نقاش حرمة التصوير خلال الأعوام القليلة المقبلة، وسيتجاوز العلم المعولم الجميع، وكل الأمل أن نطلق العنان لعقولنا في العالم والنصوص وفي كل شيء، قبل أن نفتتح القرن المقبل بنقاش آخر من هذا القبيل.

تابعنا على تويتر


Top