العنوسة نحو ثورة اجتماعية شاملة

حنين النقري – دوما
6

تكلّمت في مقال «النصف الغائب» الذي نشر في العدد (66) عن تغييب النساء ﻷنفسهنّ ثقافيًا كرمى للعريس المنتظر، ذاك الذي لن يرغب بها مثقّفة متعلّمة قادرة على النقاش، لكنّي لم أتكلّم عن النساء اللواتي أثبتن أنفسهنّ ثقافيًا وفكريّا، وكان لهنّ بصمات في المجتمع لا يخفى على الناظر أثرها وأهميتها، بعبارة أخرى، النساء اللواتي غامرن بفرصتهنّ بالزواج والأمومة، مقابل إثبات أنفسهنّ كإنسان، كسليلات لعائشة رضي الله عنها.

نعم، هي تغامر بفرصتها بالزواج، فرصتها التي تقلّ بتزايد عدد شهاداتها، وتقل مع كل مشروع رائد تشارك فيه وتبرع. فكثير من غير المتزوجات هنّ من المتعلّمات رغم كل المقومات الموجودة فيهنّ، هي تلتقي حتمًا بالكثير من الشبان المعجبين بعلمها وثقافتها وفكرها وتميّزها، لكن حدود الإعجاب هذه ستنتهي حتمًا حين يطلب من أمه أن تبحث له عن «بنت حلال».
سيتحدث البعض هنا عن ضرورة عدم الاهتمام بتعليم الفتيات، التزويج المبكّر، وتعدد الزوجات، كحلول تقليديّة لهذه المشكلة، لكن هذا النوع من العنوسة بالذات لن تصحّ معه هذه الحلول.

المرض الحقيقي باعتقادي هو أن أعراف الزواج في مجتمعنا، باتت بالية وبالية جدًا، لدرجة لا يجدي معها الإصلاح والترقيع، منظومة الزواج التقليدي غير قادرة على حلّ مشاكل المجتمع، بل الأمور في تفاقم مستمر.
ليست دعوة لترك القيم ومحاربة العفاف -حتى لا يترجم أحد كلامي على هذا النحو- ، بالتأكيد، لكنها دعوة للثورة على منظومة اجتماعية لم تستطع أن تحلّ مشاكل المجتمع الراهنة وتحافظ على روح قيمه الحقيقية، بل زادت من مشاكله ومن تفريط الشباب بقيمه واتجاهه نحو التفلّت، نحو أمور يستطيع بها أن يحلّ مشاكله -بنظره- دون تعقيدات المجتمع، فلما وجد المجتمع شبابه يتجه للانحلال، نهره ودعاه للزواج، الزواج المعقّد بعيد المنال، لندور في ذات الحلقة المفرغة مجددًا. هي دعوة للعودة لروح البساطة والتيسير والتعامل التلقائي بأمور الزواج، عودة لروح الدين في التعامل مع الزواج باختصار.

هناك نقطة أخرى يتحاشاها الكثيرون، مغفلة ومسكوت عنها، وهي تعبير المرأة عن حاجتها النفسية العاطفية الفكرية الجسدية، هل من الخطأ أن تعبّر الفتاة عن هذا بوضوح وفي وضح النهار بشكل لا يخدش حياءها، ولا يكبتها بالمقابل؟ هل هناك مشكلة في أن نوجد صيغة في المجتمع تساعدها لتحصل على ما تحتاجه وتريده «بالحلال»؟

أواجه يوميًّا في عملي مشاكل من هذا النوع، يوميّا يا سادة، أواجه من تخجل أن تبوح لي بحقيقة ما تخفي، لكنّ أي تشجيع منّي لبوحها بمشكلتها لي لا يعني أن المجتمع سيتقبل هذا ولن يقول «عيب»! بل لا يعني أنه سيساهم من ثمّ في حلّها، أو السماح لي بذلك.
تعدد الزوجات لا أراه سيحلّ المشكلة هنا، ﻷنه سيعتمد ذات الأسس في الاختيار وذات المنظومة، وبالتالي لن يساهم في إنقاص نسبة العنوسة. المشكلة إذًا في منظومة زواج معقّدة تزيد من نسب العنوسة يوميًا، رغم أن الشاب والفتاة، المعنيّين الأساسيين في هذا الموضوع، لا رغبة لهما -ولا مصلحة لهما أساسًا- في هذا التعقيد الاجتماعي الحاصل. المشكلة في أسس الاختيار وطريقته، اختيار الشاب وأهله معًا، المتّجه دومًا نحو الأصغر، الأجمل، الأكثر مالًا، الأقل علمًا، لا على أسس من التوافق النفسي والفكري والروحي، ذاك الذي لو حصل سيجعل الزوجين في فردوس حقيقي دائم، بغض النظر عن أي رأي يخالفهما.

المشكلة في مجتمع لا يساوي بالثواب والعقاب، بالحاجة والميل البشري، بين الذكر والأنثى، الثنائية الأولى في هذا الكون.. المشكلة عند الفتاة التي ترفض خاطبًا إثر خاطب، أملًا بأن تحصّل ظروفًا مثالية كاملة في شخص واحد.
ولن يكون لكل هذه المشاكل حلول إلا بالوعي، وعينا كجيل شباب بمشاكلنا، وسعينا لحلّها وفق المعطيات التي أمامنا، سعينا للاختيار وفق الأسس التي ستضمن لنا السعادة الحقيقية لا الطلاق العاجل، حلول تناسب مشكلاتنا لا حلول صمّمت لأجيال ماضية، وما عادت تجدي اليوم شيئًا.

تابعنا على تويتر


Top