أفكار ميتة !

عنب بلدي – العدد 69 – الأحد 16-6-2013
عتيق – حمص
7
لو أردنا اليوم أن نعيد معظم المشكلات والأزمات التي نمرّ بها على مختلف الأصعدة، السياسيّة، والأمنيّة، والاجتماعيّة، لوجدنا أن ما لا يقلّ ربّما عن سبعين بالمئة منها، مشاكل أخلاقيّة بشكل أو بآخر! هذا الكلام قد يفاجئ البعض، لكن لنفكّر قليلًا بالموضوع.
فالمجازر الطائفيّة التي يقوم بها شبيحة النظام أليست مشكلة أخلاقيّة؟ المتخاصمان قد يقتتلا، لا مراء في ذلك (لو تحدّثنا من الزاوية العسكريّة البحتة)، لكن التنكيل بالجثث، وقتل الأطفال والنساء والأبرياء بشكل جماعيّ فظيع، لا يصدر إلا عن شخصٍ منعدم الأخلاق في جوّ تنعدم فيه تبعيّة الأعمال.
عدم تغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصيّة لبعض الكتائب، مما يعوق العمل المشترك، والبذل المشترك (مما ينطبق أيضًا على بعض تيارات المعارضة السياسيّة) أليس مشكلة أخلاقيّة؟
تجّار الأزمة الذين يرفعون الأسعار بشكل جنونيّ أحيانًا، مستغلين الحاجة والندرة، أليست مشكلة أخلاقيّة، أشخاص همهم الوحيد منفعتهم الماديّة المباشرة.

كل ما نسمعه من النازحين عن المعاملة التي يتلقونها، كل أصناف التعذيب التي نسمعها من المعتقلين، أليست مشاكل أخلاقيّة؟
هذه المشكلة الأخلاقيّة التي نعاني بشكلٍ مباشر منها، تنمّ عن مشكلة تربويّة غير مباشرة، لأنّ الأخلاق مسؤولية التربية الاجتماعيّة (البيت، المدرسة، الإعلام، المسجد…)، فتربية جيدة يعني أخلاق جيدة بالضرورة، وتربية سيئة يعني أخلاق سيئة بالضرورة، وهذا يفتح علينا أسئلة من نوع أعمق، فهل للنظام يدّ في تعطيل العملية التربويّة أو تشويهها (باعتباره المستفيد من ظاهرة الشبيحة – الانعدام الأخلاقيّ)، وكيف عمل على ذلك؟
هذه المشكلة التربويّة غير المباشرة، تنمّ عن مشكلة فكريّة في جوهرها، وفي عمقها الغائر، فما هي التربية؟ هي عمليّة زرع أفكار في النفس البشريّة لتتجلى سلوكًا يوميًا معاشًا.

المشكلة التربويّة هي مشكلة الأفكار المزروعة إذًا، لأنّ الفكرة الفاعلة الصحيحة لابدّ لها أن تنعكس سلوكًا مباشرًا، فالهوّة بين الفكر والسلوك لا تنشأ في دائرة الأفكار الفعّالة، بل في دائرة الأفكار الميتة (الأخطاء والزلات والذنوب أمر إنسانيّ طبيعيّ، الحديث هنا عن ‹هوّة› وبون شاسع بين الأفكار والسلوك).

مشكلتنا الجوهريّة إذًا مشكلة أفكار غير قابلة للتطبيق، أفكار ميتة، أفكار لم تعد تحمل أي طاقة تغيريّة، المشكلة ليست في الناس، أنها لا تستطيع حمل الفكرة، المشكلة أن الفكرة لا تستطيع حمل الناس، ليست المشكلة في تطبيق الإسلام، المشكلة في فهم الإسلام.
عقيدة التوحيد مثلًا، ما انعكاسها كواقع اجتماعي معاش؟ حقيقة فإن الجواب المؤسف: لا شيء!
ما الذي قد يتغيّر في الواقع مع صلاة أو بدون صلاة؟ مع توحيد أو بدون توحيد؟ هذا ينمّ إذًا عن أنّ فهم الإسلام فهم ميّت معطّل لا يقدّم شيئًا (باعتبار الدين هو مصدر أساسيّ للأفكار في مجتمعنا).
الذي نحن بحاجة له اليوم العمل على توليد وخلق أفكار تغيريّة، تعيد للإسلام قوته التغييريّة، وتعيد للأفكار قدرتها على إحداث انقلاب جذري في التربية وبالتالي في الأخلاق.

التوحيد مثلًا يفهم على أنّه عقيدة تتعلق بالتصوّر تجاه الله فقط، لا أحد يتحدّث عن التوحيد باعتباره توحيدًا للإنسان أيضًا، توحيدًا للهدف، توحيدًا للجهود، توحيدًا للطاقات، التوحيد في واقعنا اليوم كمسلمين هو مجرّد مسألة رقميّة تقول بأن الإله واحد، في حين هناك عقائد تقول بأنّ الإله ثلاثة أو عشرة أو غير ذلك، مسألة رقم لا أكثر، في حين أنّ هذه العقيدة شكّلت في مرحلة من مراحل التاريخ «دينمو» حرّك العرب، كيف؟ هذا ما يجب أن نعمل عليه.
معظم ما نعاني منه اليوم يعود إلى الأخلاق، والأخلاق تأتي من التربية، والتربية تفضي إلى الأفكار، ومشكلة الأفكار أنها أفكار ميتة غير قادرة على تغيير شيء، لنمسك إذًا الخيط من أوله كما يقال، ولنتحرّك بالاتجاه الصحيح.

تابعنا على تويتر


Top