الأكراد أجبروا إردوغان على العودة إلى روسيا وإسرائيل!

هدى الحسيني – الشرق الأوسط

في 20 مايو (أيار) الماضي، وبأغلبية 376 صوتًا، أقر البرلمان التركي التشريعات التي من شأنها تجريد النواب من حصانتهم لتسهيل الملاحقات القضائية. ونظرًا للإطار الواسع لتفسير القوانين التركية الرامية إلى مكافحة الإرهاب، فإن إقرارها يعني على الأرجح استهداف الحكومة و«حزب العدالة والتنمية» لـ138 نائبًا من أحزاب المعارضة والأكراد لإحالتهم إلى المحاكمة، وذكّرت الظروف التي أحاطت بإقرار التشريعات من قبل نواب «العدالة والتنمية» بعصور الظلام التي عصفت بتركيا سابقًا، إذ إن المحللين الذين تابعوا المناظرة حول الحصانة البرلمانية شبهوا هذه الفترة بمرحلة عام 1994، عندما تم سجن النواب الأكراد من «الحزب الديمقراطي» بتهمة الإرهاب، فأدى ذلك إلى أسوأ الفترات عنفًا بين تركيا والأكراد.

وعلى الرغم من أن جميع أعضاء البرلمان معرضون للملاحقة بتهمة سوء السلوك وفق القانون التركي، فإن هدف هذه التشريعات هو الحزب الديمقراطي الكردي، فمن أصل 59 نائبًا له في البرلمان، قد يصبح 50 منهم هدفًا للملاحقة القضائية.

لكن هذا القانون لم يفك عزلة تركيا، فقد هرب الأصدقاء منها، وصار رئيسها رجب طيب إردوغان يبحث عن باب يستقبله، حيث أدارت إسرائيل ظهرها له، ثم روسيا، ثم مصر (بعد الربيع العربي). لم يكسب أصدقاء في الدول العربية، وفاوض الدول الأوروبية على ثمن للاجئين السوريين من دون أن ينال صداقاتها، كما خسر تعاطف البيت الأبيض. والآن، تواجه تركيا هجمات إرهابية فوق أراضيها، إضافة إلى التمرد الكردي. وبسبب هذه الظروف الاستثنائية، شعر إردوغان بأنه في حاجة إلى أصدقاء، فوافق على اعتذار إسرائيل عن عملية السفينة «مرمرا»، وقبل بتعويضات وإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، مع وعد بأن تسمح له إسرائيل بمساعدة غزة.

كان إردوغان قد أقام في السابق علاقات جيدة مع الحكومات الإسرائيلية، وبالتالي فإن العلاقة مع إسرائيل ليست بالجديدة عليه. ومن ناحية أخرى، فإن القطاع الخاص في كل من تركيا وإسرائيل يدفع بقوة إلى اتفاقيات حول الغاز، وهناك اهتمام كبير بمدّ أنبوب نفط يأتي من إسرائيل حتى تركيا فأوروبا. والأتراك يريدون بناء هذا الأنبوب، والحصول على حصة فيه، والإسرائيليون يريدون إيصال غازهم إلى الأسواق العالمية.

ومع إسرائيل، تطلع إردوغان شمالاً، وقرر تهدئة العلاقة مع روسيا، فللضرورة أحكام. فقد أرسل ما اعتبره الروس اعتذارًا إلى الرئيس فلاديمير بوتين، بسبب إسقاطه قاذفة «السوخوي» عام 2015. ولم يكن إردوغان يدرك أنه بإسقاط «السوخوي» سيضحي بالحليف التجاري الأول (روسيا). فهناك أكثر من 4 ملايين سائح روسي يأتون كل سنة إلى تركيا، ويصرفون عشرات الملايين من الدولارات، ثم إن العلاقات النفطية مع روسيا أساسية لتركيا. وعلى أساس هذا المفهوم، أسقط في يد إردوغان، فاضطر إلى الاعتذار، و«سمحت» له موسكو بأن يسوق هذا الأمر للرأي العام المحلي بطريقة مختلفة، فلم يعترف بأنه قدم اعتذارًا، إنما أبدى أسفا، وقال مؤيدوه إن الطرفين الروسي والتركي التقيا في منتصف الطريق، وأعادا العلاقات. وعلى المدى القصير، تبقى إعادة العلاقة مع روسيا أكثر أهمية من العلاقة مع إسرائيل، وذلك بسبب الأزمة المستمرة في سوريا، وبالذات في شمال سوريا، حيث الميليشيات الكردية تتقدم وتكسب أراضي، وهذا ما لا يريد أن يراه إردوغان إطلاقا بسبب الأزمة الكردية المشتعلة داخل تركيا نفسها. وما يقلق أنقرة أن الحركتين الكرديتين داخل سوريا وداخل تركيا ستصبحان حركة عصيان واحدة في المستقبل، وتصبح خطرًا أكبر على تركيا، ولهذا فإن دعم أو تعاون روسيا مهم، فموسكو هي اللاعب الأساسي في سوريا، وهي من تقرر مسار الأحداث، لهذا ما تريده تركيا هو أن تكون روسيا إلى جانبها، لكن إلى أي مدى؟

ويتجلى عمق تأثر الحكومة التركية بما أصبح يعرف بـ «القضية الكردية» في ما صرح به مسؤول كبير في «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، من دون أن يكشف عن اسمه لوكالة «رويترز»، في 14 من الشهر الماضي، حينما قال: «إن الأسد في نهاية المطاف قاتل. إنه يعذب شعبه، ونحن لن نغير موقفنا من ذلك، لكن لا ندعم الحكم الذاتي للأكراد. قد لا يحب أحدنا الآخر، لكن بالنسبة إلى الأكراد، فنحن ندعم السياسة ذاتها». هذا التغيير المدهش في اللهجة أملته إلى حدّ كبير الانتصارات التي يحققها الأكراد على الأراضي السورية، وتنظر أنقرة إلى الأراضي السورية التي صارت تحت سيطرة الميليشيات الكردية على أنها ملاذات آمنة للإرهابيين. وعلى الرغم من أن قوات الأمن التركية ساهمت في إبطاء تدفق الأسلحة والمقاتلين من معاقل «حزب العمال الكردستاني» في جبال قنديل، في العراق، فإن المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات الكردية على الحدود السورية – التركية أصبحت أحدث منفذ أمام المقاتلين الأكراد للمشاركة في عمليات واسعة النطاق في جنوب شرقي تركيا.

وفي 5 يونيو (حزيران) الماضي، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورة للمدينة التركية «نصيبين» تجمعها بامتدادها القامشلي عبر الحدود السورية. ووحدها صحيفة «جمهورييت» تجرأت على نشر الصورة، تحت عنوان: «نصيبين أبيدت»، وإذا نظر أحد إلى الصورة من دون أن يعرف أنها تشير إلى دمار أحدثه الجيش التركي منذ بدء هجومه على المدن الكردية، جنوب شرقي البلاد، لاعتقد أنها صورة عن الدمار الذي لحق بالمدن السورية، وليس مدينة كردية داخل تركيا. ويقول مراقب تركي درس الصورة، حيث المباني كلها مدمرة ومع هذا ترفرف على الركام الأعلام التركية: «إن ما يجري هو (سورنة) جزء من تركيا». وإضافة إلى «نصيبين»، هناك شيزره وسرناك، وما أصابهما من دمار يشير إلى أن الحريق امتد بالفعل عبر الحدود السورية. والمعارك في هذه المدن الكردية/ التركية لا تختلف عن تلك التي تجري عبر الحدود في سوريا.

ويبدو أنه لا نهاية في الأفق للعنف، ثم إن تمرير البرلمان التركي قانونًا يمنح الحصانة لأفراد القوات المسلحة الذين يقاتلون الأكراد، قد يكون نذيرًا لما سيحدث في المستقبل. ويشترط القانون الحصول على إذن من القادة العسكريين أو السياسيين قبل أن يتم توجيه اتهامات ضد الجنود المشاركين في القتال، كما سيتم تطبيقه بأثر رجعي لعمليات القتال التي بدأت منذ صيف 2015.
وبعد الانتخابات الأولى عام 2015، لاحظ «حزب العدالة والتنمية»، الذي كان يدعو إلى عملية سلام مع «حزب العمال الكردستاني»، أن دعم «حزب الشعوب الديمقراطي» الكردي ازداد، مما أثر عليه سلبًا، خصوصًا من قبل الناخبين القوميين. ثم إن النشطاء والانفصاليين الأكراد أضروا أكثر مما نفعوا، عندما أعلنوا «الحكم الذاتي» في جميع أنحاء جنوب شرقي تركيا، وأن لا سيطرة لأنقرة. ويمكن هنا استيعاب شعور الحكومة التركية بأن ظهرها قد صار إلى الحائط، فاحتضنت الاستراتيجيات التي كانت معتمدة في التسعينات من القرن الماضي، وصارت تبحث عن حلول عسكرية، رغم وجود أدلة كافية على أن هذه الأساليب لم تنجح في الماضي.

ومن المستبعد الآن التوصل إلى حل عبر العمليات العسكرية. إن «حزب العمال الكردستاني» لا يمثل كل الشرائح الكردية في تركيا، لكن تركيز الحكومة التركية على إبعاد النواب المنتخبين من «حزب الشعوب الديمقراطي» ورؤساء البلديات عن الساحة السياسية، عبر توجيه تهم الإرهاب إليهم، لن يبقي عددًا كبيرًا من المعتدلين الذين يتكلمون عن المسألة الكردية. وإلى أن يتم التغلب على هذا المأزق، المستمر منذ أكثر من 30 عامًا، فإن الأنقاض سوف تتراكم في جنوب شرقي البلاد، ولا أحد يعرف لاحقًا كيف ستتطور الأوضاع في سوريا، وعما إذا كان الأسد لن يرحل قبل تفتيت سوريا، فيكون للأكراد حصتهم، وينتهي الوضع بسوريا مفتتة، وتركيا ناقصة!

تابعنا على تويتر


Top