منبج وخيارات الحسم

براء الطه

يتساءل الجميع عن مصير منبج، هل ستكون قتالًا أم تسوية مع العشائر داخل المدينة، في ظل الأنباء التي تتوارد عن قيام وساطات بين قوات قسد (سوريا الديمقراطية) وعدد من شيوخ العشائر في المنطقة، فما هو وضع منبج اليوم؟

بتاريخ 31 من أيار أعلن “مجلس منبج العسكري” عن حملة عسكرية، مدعومًا بقوات “قسد” باتجاه مدينة منبج، هدفها السيطرة على المدينة وقطع آخر اتصال جغرافي للتنظيم مع العالم الخارجي، إذ تكون بذلك قوات الأخير في جرابلس والراعي قد حوصرت بشكل كامل وأصبحت السيطرة عليها غاية في السهولة.

تمكنت هذه الحملة بدعم أقل مايقال عنه أنه “دولي”، من فرض حصار على مدينة منبج  والسيطرة على نحو أكثر من 100 قرية في محيطها، خلال حوالي عشرة أيام من بدء المعارك، وصار الحديث عن السيطرة على المدينة مسألة أيام، إلا أنه في الأيام الأخيرة تحول التنظيم من وضعية الدفاع والصدّ إلى المباغتة والهجوم… فما هي مآلات ذلك وما هي أسباب استماتة الطرفين للسيطرة على منبج؟

  • تعد منبج أكبر مدينة حلبية ومركز الريف الشرقي لحلب.
  • ثاني أكبر المدن السورية بعد القامشلي ليست مركز محافظة.
  • يفصلها عن الحدود السورية التركية حوالي 40 كيلومترًا، وعن مدينة حلب 80 كيلومترًا (شمال/ شرق).
  • كان يقطنها قبل عام 2011 حوالي 100 ألف نسمة، حسب الإحصائيات الصادرة عن مجلس محافظة حلب، تناقص هذا العدد إلى حوالي 30 ألف حتى 40 ألف نسمة في الوقت الحالي(1).
  • ذات أغلبية عربية إضافة إلى وجود قوميات أخرى كالكُرد والشركس والتركمان.
  • تمتلك موقعًا جغرافيًا مهمًا كونها عقدة ربط مهمة بين تركيا شمالًا، والرقة شرقًا، وحماة جنوبًا، وحلب غربًا.
  • تمتلك أكبر صوامع للحبوب في المنطقة الشمالية استغرق بناؤها حوالي 3 سنوات، والتي دُمرت حاليا بسبب قصف التحالف غير المبرر(2).
  • انسحبت منها القوات الحكومية السورية منتصف العام 2012 لتدخلها فصائل المعارضة.
  • سيطر عليها التنظيم نهاية كانون الثاني من العام 2014.
  • تعد مدينة استراتيجية للتنظيم كونها كانت لفترة قريبة نقطة تجميع وانطلاق لما بات يعرف يُعرف بـ “الذئاب المنفردة”، واستطاع من خلالها التنظيم تهديد الأمن الأوروبي بشكل خاص.
  • تعتبر أهم وآخر بوابة لاستقبال العنصر البشري “المهاجر” للتنظيم من بقية دول العالم.
  • كل هذه الأسباب أكسبت المدينة أهمية بالغة أدت الى استماتة التنظيم في الدفاع عنها، ولا يخفى أن التنظيم استفاد من أخطاء المعارك السابقة، وخاصة في تدمر، فعمد إلى الانسحاب من كامل منطقة منبج (الريف المحيط)، وتمترس داخل المدينة ليبدأ معها أسلوب حرب العصابات من تفخيخ الشوارع والأنفاق والأبنية والعمليات الانتحارية، على نقيض ماحدث تمامًا في حالة تدمر.

كما يجب أن لا يغيب عنّا الأثر السلبي جراء توقف عملية السيطرة على الطبقة التي بدأتها القوات الحكومية، وحققت تقدمًا ملحوظًا وكبيرًا أدى الى تشتيت قوات التنظيم والمفاضلة بين منبج والطبقة بالنسبة له، لكنها ما لبثت أن تراجعت الحكومية إلى نقطة انطلاقتها، الأمر الذي دفع التنظيم إلى التركيز على عملية منبج واستقدام تعزيزات وقيادات تابعة له، أثبتت جدارتها في معارك سابقة لقيادة المعركة وفك الحصار المطبق على المدينة من قبل “قسد” والقوات الرديفة، معتمدًا قيادة المعركة من خارج المدينة والتنسيق مع العسكريين المتواجدين داخلها(3)، ما أدى إلى تحويل مسار المعركة من وضعية الدفاع إلى الهجوم والمباغتة في محاولة لفك الحصار والتركيز في الهجمات على الجبهة الغربية والشمالية والشمالية الغربية، بغية قلب مسار المعركة والأطباق وفرض الحصار على القوات المتواجدة في المواقع آنفة الذكر. ورغم تقدم قوات التنظيم في العديد من النقاط، إلا أن ما تقوم به لن يؤدي إلى استنزاف في عديد قواته المتواجدة داخل منبج (4).

وكان لوجود المدنيين أهمية كبيرة في “الحذر” في سير العمليات، حيث الخوف من اتخاذ التنظيم المدنيين دروعًا بشرية، وخاصة أن المدينة ذات أغلبية عربية، الأمر الذي أثار مخاوف كبيرة بالنسبة لقوات “قسد” من حملات إعلامية مضادة تستهدفها، أو تتهمها بارتكاب “مجازر”بحق السكان المدنيين.

إضافة إلى كل ماسبق، هناك “البازار” السياسي إذا صحت التسمية بين الفرقاء، فهذه القوات بعبورها للضفة الغربية لنهر الفرات اخترقت، ولو ظاهريًا، أحد أهم “الخطوط الحمراء” الذي وضعها النظام التركي واعتبره تهديدًا لأمنه القومي، ما أدى حاليًا إلى تقليص الدعم والإسناد الجوي للتحالف الدولي، كما هو واضح على الأرض. إضافةً إلى وجود مفاوضات مع أهالي ووجهاء المنطقة تهدف إلى إخراج العنصر الأجنبي مقابل تسوية أوضاع السوريين ممن بايع التنظيم (نوعٌ من المصالحات).

رغم كل ماسلف فإن عملية السيطرة على منبج لن تتوقف، لأنها أصبحت معركة مصيرية حتى بالنسبة لقوات “قسد”، وذلك لما لها من أهمية بالغة في جعل مناطق سيطرة التنظيم شمال وغرب مدينة منبج عبارة عن “جزر” منفصلة يسهل التعامل معها كلٌ على حدة، كما أن السيطرة عليها يجعل من “حلم” ربط الكانتونات الكُردية مع بعضها قريبًا جدًا.

يبقى أن نذكر أن التطورات السياسية لها أثرها في التأثير على سير العمليات العسكرية على الأرض.

____________________________________

1- مايثيره الإعلام عن وجود حوالي  100 ألف مدني محاصر داخل منبج، أمر عار عن الصحة منطقيًا، فمنطقة منبج بلغ عدد سكانها عام 2004، حسب الإحصائيات الرسمية حوالي 407282 نسمة، وعدد سكان المدينة هو 99497 نسمة لنفس العام، بينما بلغ العدد في المنطقة عام 2009 رسميًا 455811، أي زيادة سكانية طبيعية بنسبة 0.012 تقريبًا. وبحساب بسيط فإن النمو الطبيعي لسكان المدينة عام 2016 يجب أن يكون قرابة 112 ألف نسمة، عدا عن حركة النزواح والهجرة جراء ما يجري في البلاد والعملية العسكرية الأخيرة.

2- عقدة تدمير البنية التحتية غير المبررة التي يتبعها التحالف، رغم امتلاكه لتكنولوجيا عسكرية متطورة ودقيقة في تحديد الأهداف، تثير تساؤلات عديدة عن سبب هذه الانتهاكات بحق الدولة السورية.

3- التنظيم استقدم هذه التعزيزات إلى مدينة مسكنة الأقرب والأنسب عمليًا لمنبج، وهو قادر على قيادة المعركة من خارجها، كونه يمتلك وسائل اتصال عسكرية متطورة ومعقدة، إذ لم يسجل إلى الآن أي عملية اختراق لها، ما يسمح له بالتنسيق المريح في أي معركة يرغب بخوضها أو تُفرض عليه.

4- كل هذه العمليات لن يستفيد منها التنظيم سوى إطالة أمد الحصار المفروض على قواته في المدينة، وأي محاولة تنجح في فك الحصار تعتبر فضحية عسكرية بحق قوات المجلس و”قسد”.

تابعنا على تويتر


Top