إيران وصناعة التخريب الطائفي!

عبد العزيز التويجري – الحياة

ليس صحيحاً أن فضح السياسة الطائفية التخريبية التي تنهجها إيران بالكشف عن خفاياها، والتنديد بالمخطط الذي تعمل على تنفيذه في المنطقة العربية، هو من قبيل تأجيج الصراع السني- الشيعي الذي يضر بالمصالح الحيوية للأمة الإسلامية. فالنظام الطائفي في طهران، الذي يمارس سياسة تسعى إلى تمزيق النسيج المجتمعي في الدول العربية، خصوصاً دول الخليج العربي، هو الذي يتحمّل المسؤولية الكاملة في إحداث حالة من الفوضى الهدامة العارمة التي باتت تهدد الأمن والسلم والاستقرار في هذا الجزء من العالم، من العراق إلى سورية، ومن اليمن إلى لبنان، ومن ليبيا إلى سيناء بمصر، ومن تونس إلى الجزائر حيث أعلن أخيراً عن ضبط محاولات لزعزعة الاستقرار المذهبي في هاتين الدولتين العربيتين من خلال اختراق شيعي للمجتمع المحلي. فهذا هو التأجيج الفعلي للصراع الطائفي الذي يأتي من طريق نشر عقيدة تكفر أهل السنة والجماعة الذين يمثلون أكثر من تسعين في المائة من المسلمين في العالم، وتعتبرهم ضالين مستحقين للخلود في النار.

إن إذكاء الصراع بين أتباع الأديان والثقافات والحضارات هو من لوازم السياسة الشاذة التي لا تراعي حرمة للدين وللدماء ولا للقوانين الدولية، والتي كانت دائماً أكبر أسباب الحروب والنزاعات الدينية والعرقية التي نكبت بها شعوب عدة خلال القرن العشرين، ولا تزال تعاني من ويلاتها وتبعاتها شعوب أخرى، غالبيتُها من العالم الإسلامي. ومنذ أكثر من أربعة عقود وإيران متورطة في تنفيذ مخططها الطائفي الذي يحمل عنوان «تصدير الثورة» التي يُراد بها زعزعة الاستقرار، وتحريض المواطنين الشيعة من دول الخليج العربية، ضد السلطات في بلدانهم، وفرض الوصاية الإيرانية عليهم وكأن هؤلاء المواطنين هم من رعاياها وأتباعها، والتغوّل في الامتداد إلى الدول العربية الأخرى، وإلى القارة الأفريقية، وإلى الدول الإسلامية في جنوب شرقي آسيا، بل إن هذا التوسع الطائفي الإيراني وصل إلى المجتمعات الإسلامية في دول الاتحاد الأوروبي، فأفسد العلاقات بين الجاليات والأقليات العربية الإسلامية هناك، وأثار بينها الفتنة، حتى يمكن القول إن غالبية الصراعات والأزمات التي يعرفها العالم العربي الإسلامي، بما في ذلك الأزمتان العراقية والسورية، والأزمة اليمنية، هي من تداعيات السياسة غير المسؤولة التي تتبعها إيران، إلى جانب الحصار الذي تفرضه على الإرادة الوطنية اللبنانية من خلال «الدولة داخل الدولة» التي تتمثل في «حزب الله» اللبناني.

فحيثما أدرت وجهك تلقَ التدخلَ الإيرانيَّ والتغلغل الطائفي والإصرار على انتهاك سيادة الدول واختراقها بشتى الأساليب. وحتى الجماعات الإرهابية التي تعيث فساداً ودماراً وخراباً في بعض المناطق من العالم العربي، تعمل لمصلحة إيران بطريقة أو بأخرى، حتى لو بدا للعيان أنها على خلاف في المعتقد مع النظام الطائفي الإيراني. ولعل من الأدلة القوية على ذلك التواطؤ المريب والتنسيق العجيب، أن الجماعات الإرهابية، ويتقدمها تنظيمُ ما يعرف بـ «الدولة الإسلامية»، لم يمسَّ قط المصالح الإيرانية بأذى، وقبله كان تنظيم «القاعدة» يجد في إيران الملاذ والمأوى.

لماذا تُمعن إيران في إفساد علاقاتها مع الدول العربية وتصرّ على الإضرار بالأمن والسلم في المنطقة؟ ذلك هو السؤال الذي لا نتردد في الإجابة عنه بما يعلمه الجميع من الممارسات اللاشرعية والأدوار التخريبية التي يقوم بها النظام الطائفي الإيراني على الساحة العربية، ومن هذه الكوارث السياسية التي تزلزل المنطقة، والتي لا يبدو في الأفق أمل للخروج منها بسلام في المدى القريب. إن الأهداف الشريرة التي تعمل من أجلها إيران تَتَعَارَضُ كلياً مع تعاليم الدين الحنيف، ومع القوانين الدولية، ومع القيم الإنسانية السامية المستمدة من الثقافات والحضارات التي كان للشعب الإيراني نصيبٌ في بناء إحداها عبر الأزمنة القديمة.

فلو لم تكن إيران حاضرة ومتورطة في الأزمة اليمنية، لما استفحلت هذه الأزمة وطالت حتى استعصت على التسوية السلمية. ولو لم تكن إيران مهيمنة على القرار السيادي في العراق إلى درجة الاحتلال المحض لهذه الدولة العربية، لما تفاقمت الأزمة العراقية، ولما عظم شأن «داعش» حتى احتل ثلث الأراضي العراقية أو يكاد. ولو لم تكن إيران باسطة نفوذها على نظام بشار الأسد متحكمة في القرار السوري، لما خربت سورية ودمرت وهجّرت الملايين من مواطنيها، ولما احتلت روسيا هذه الدولة العربية احتلالاً كاملاً بتواطؤ من الولايات المتحدة الأميركية لحسابات غير معلومة حتى الآن. ولو لم تكن إيران صاحبة الأمر والنهي في لبنان من خلال «حزب الله» اللبناني، لما وصلت الأزمة اللبنانية إلى الباب المسدود، وأصبح لبنان الدولة العربية الوحيدة من دون رئيس حتى الآن، إن لم تكن الدولة الوحيدة في العالم أجمع.

فهل بعد هذا كله يمكن لدولة تنفذ سياسة طائفية مخربة في العالم الإسلامي، أن تبقى عضواً في منظمة التعاون الإسلامي؟

تابعنا على تويتر


Top