أثورة بعد ثورتنا !

عنب بلدي – العدد 70 – الأحد 23-6-2013
قنديل – حمص
2
بعد ما وصلت إليه حال ثورتنا من تخلي ثوارها وسياسيّيها عنها واختبائهم خلف مشاريعهم الخاصّة ومصالحكم الشخصيّة، وبعد ما مزّقت الشروخ مجتمعنا وأضعفته حتّى صار أرضًا خصبةً لتدخل العدوّ بأشكاله تحت شعارات مختلفة ينجّر وراءها الشعب السوريّ دون تفكير أو تمهّل، صار المجتمع يوجّه اللوم صباحَ مساء للمعارضة السياسيّة في الائتلاف والتي يصفها بمعارضة الفنادق أو إلى الكتائب المسلّحة المرابطة على الجبهات دون تفريق بين المخلص والخبيث.

ليس هناك من شكّ بأنّ الكثير من الأخطاء تقع وتلازم بعض أفراد المعارضة والكتائب المسلّحة على الأرض، ولكنّ الذين اعتادوا توجيه الاتهامات وتحميل الأخطاء لغيرهم، يعمّمون تصرفات البعض على الكلّ، ونسوا أن هؤلاء المخطئين هم من المجتمع نفسه وليسوا بمخلوقات فضائيّة، فالأخطاء أصلًا تعود على «لا فكر» و «لا ثقافة» المجتمع، أو ببساطة على تخلّفه الاجتماعي والفكريّ، فعاداتنا وأفكارنا الباليّة التي تراكمت في رؤوسنا عبر نصف قرن هي سبب مباشر في هذه الحرب الاتهاميّة المتبادلة في مجتمعنا.
في ضوء كل هذه التحديات يتساءل اليوم بعض المثقفين الثوريين «ألم يكن يجدر بنا أن نقوم بثورة اجتماعيّة فكريّة قبل ثورة سياسيّة تقلب الحكم؟»

نظريًا وحتّى نتجنّب كل تلك الخسائر الفادحة وكل الأخطاء القاتلة، وحتّى نتجنّب تمزّق المجتمع السوريّ بهذا الشكل، أو حتّى نلئم هذه الشروخ الاجتماعيّة التي عمل على زرعها النظام والتي ظهرت بوضوح اليوم بعد أعمال العنف والمجازر ضد المدنيين الأبرياء.. نظريًا؛ نعم كان يجب علينا أنْ نستيقظ قبل فوات الأوان ونبدأ العمل في تطوير المجتمع وتطهيره من أمراض لازمته عقودًا طويلة ومظلمة منذ الستينات، ولكنْ برأيي هذا كلام ليس هنا مكانه، فالثورة هي التي جعلتنا نفكّر أصلًا في أخطاء مجتمعنا، الثورة هي أولًا وأخيرًا التي فتحت بصيرتنا على الحياة الحقيقيّة وأيقظتنا من سبات طويل وحركّت تفكيرنا وحتى مشاعرنا، الثورة أكبر منّا ومن تفكيرنا جميعًا.

عمليًا وبعد التفكير في الموضوع نجد أنّ الثورة هي سبب كلّ شيء اليوم، سبب استمرار حياتنا، سبب تفكيرنا وعملنا، سبب قراءتنا وكتابتنا، سبب تأييدنا ومعارضتنا، سبب موافقتنا ونقدنا، فلولاها لاستمرت حياتنا رتيبةً كما كانت، مملّةً وضعيفةً وهزيلة.
الثورة هي التي أيقظكنا من سبات مهلك يا سادة، حتّى المثقف والمفكر كان جزءًا من مجتمع متخلّف عاجز لا حول له ولا قوّة.
كان يستحيل أصلًا –لو فكرنا- أن نقوم بثورة اجتماعيّة أو فكريّة أو ثقافية بسيطة في ظلّ هكذا قمع للرأي والفكر، وفي ظلّ هكذا كمٍّ للأفواه وسحق للأقلام وتعذيبٍ لأيّ إنسان يبدأ بالتفكير!، يستحيل ذلك في ظلّ إعلام يسطح العقول ويزيف الواقع، وفي ظلّ نقابات مهنيّة واتحادات عماليّة وطلابيّة تعمل عمل أجهزة الاستخبارات في كلّ مكان، أو في ظلّ الأجهزة الأمنيّة المرعبة وأزلامها المنتشرين كالدود في المجتمع.

الثورة فكريّة اجتماعيّة نريد في ظلّ كل هذا..! أثورة اجتماعيّة نريد في ظلّ مؤسسة دينيّة فاسدة تقمع باسم الدين وتثبط المجتمع عن العمل باسم الدين وتمنع المجتمع من أيّ نشاط اجتماعيّ يمكن أن يكون له دور في تعاون الناس مع بعضهم أو تنوير فكرهم، وملاحظة مدى سوء حالهم وواقعهم، مؤسسة دينيّة أسّسها الأسد الأب لتكون جهاز استخبارات له وحاميًا لحكمه باسم الدين، جهاز ينوّم العقول ويعمي ما في الصدور ويزرع الخرافة والأوهام في كل مكان، جهاز كان السبب في سباتنا الاجتماعيّ والفكريّ هذا..!
الثورة لم يكن بالإمكان لقيامها إلا هكذا، هكذا كما هي، وكما جرت وكما تستمر اليوم، قامت رغم سوء الحالة الاجتماعيّة، تفجّرت رغم كل ما تعرضت له من ضغوط اجتماعيّة وخارجيّة، استمرت مكسورة الجناحين رغم تأخّر معظم المدن في الالتحاق بالثورة، استمرت رغم كلّ الأخطاء والخيانات والتخاذل والتناحر والتنافر.. استمرت رغم ارتفاع رايات مشاريع خاصة وضياع المشروع العام والهدف الأسمى، استمرت رغم دعم الشرق والغرب بالمال والسلاح.. يا الهي..! يكفي أنْ نتخيّل أنّ حمص ما زالت صامدة منذ بداية الثورة وقد أصبحت اليوم مدينة أطلال..

اشتعلت الثورة لتشعل في قلوبنا ما كان ميتًا، ولم تكن لتقوم إلا هكذا.. ومن أراد ثورة اجتماعيّة قبل ذلك فليبدأها اليوم، فهناك الكثير من العمل وهناك الكثير من الأطفال الذين يحتاجون الرعاية والاهتمام، المجتمع مليء بالشروخ فهو يحتاج ثورة اجتماعيّة الآن!
تكن لتقوم إلا هكذا.. ومن أراد ثورة اجتماعيّة قبل ذلك فليبدأها اليوم، فهناك الكثير من العمل وهناك الكثير من الأطفال الذين يحتاجون الرعاية والاهتمام، المجتمع مليء بالشروخ فهو يحتاج ثورة اجتماعيّة الآن!

تابعنا على تويتر


Top