معاناة النازحين ومحاولات «التأقلم» مع الأسعار «النارية»

عنب بلدي – العدد 70 – الأحد 23-6-2013
4
يعيش نازحو داريا حياةً أقل ما توصف بأنها تفتقر لأهم مقومات الحياة، فمعظمهم أخرجوا من بيوتهم إبان الحملة العسكرية الأخيرة على المدينة منذ قرابة الثمانية أشهر «بثيابهم التي يرتدونها» وحاولوا إيجاد ملاجئ تأويهم برد الشتاء حينها، واضطروا للعيش في ظروف قاسية جدًا، وخلال الفترة الماضية، استنزفت كل مقدراتهم، فالأعم الغالب من الذكور عاطل عن العمل وبات النازحون على مشارف «الموت جوعًا» وخاصة مع الارتفاع الهيستيري لسعر الدولار مقابل الليرة السورية والغلاء الفاحش في أسعار المواد الغذائية الأساسية، ونتيجة لهذه الظروف القاسية، عمد البعض منهم إلى ابتكار طرق تبقيهم على قيد الحياة وابتكار أداوت تعينهم على تمضية أيام نزوحهم بكفاف.

عائلة أم رياض التي تقيم مع عائلة أخرى مكونة من 18 فردًا معظمهم من الأطفال الصغار وجدت نفسها مضطرة لابتكار سبل جديدة لطهي الطعام في ظل ندرة الغاز وغلاء ثمنه، فكانت النار البديل الوحيد، ولكن، مع ظروف الطقس المتبدلة، لم تكن النار لتسعفهم في طهي الطعام، فما كان من ابنها إلا أن أتى بعبوة سمن فارغة وصنع منها موقدًا يضع فيه الحطب فتتقد النار من فوهة العبوة فتتجمع النار تحت وعاء الطهي فقط وبذلك يختصرون الكثير من الوقت والحطب لطهي وجبة الغداء. ويقول أبو وليد الشاب الذي ابتكر هذه الطريقة، كنت أشعر بالأسى على زوجتي وأخواتي وهنّ يمضين معظم وقتهنّ في انتظار نضوج الطعام على النار التي تتلاعب بها الرياح، فخطرت ببالي فكرة استخدام عبوة السمن الفارغة لأصنع منها موقدًا وقمت بوضع قطعتي قرميد على حوافها لتصبح أقدر على حمل وزن قدر الطعام».

أما أم أحمد، التي تصف عائلتها «بالمحظوظة جدًا» لأنها تمكنت من استئجار غرفة داخل أرض زراعية، فقاموا منذ بداية ارتفاع الأسعار الجنوني باستغلال فسحة الأرض لزراعتها ببعض الخضار. وتقول: «قمنا بزراعة بعض البندورة والباذنجان واليقطين والقليل من البقدونس والنعنع ونستخدمها يوميًا في طعامنا بعد أن وصلت أسعار الخضروات إلى أرقام مخيفة، فكيلو البندورة أصبح بـ 135 ليرة ولا يملك معظم النازحون «ليرة» لشراء ما يسد رمقهم وبذلك نوفر القليل من المال لشراء الرز والسكر والشاي، غلاء الأسعار لم يعد يطاق» وهناك الكثير من العوائل التي باتت تستغل حتى أصص الزهور لزراعة القليل من الخضروات بينما لم تجد العديد من العائلات سوى بعض الشاي والقليل من الخبز وجبة يومية تقتات بها في ظل الظروف الحالية.

ومع بداية اشتداد حرارة الصيف، والحاجة الملحة للماء البارد، قام هاني، وهو شاب في الثلاثين من عمره، بابتكار «حافظة مياه» من مواد أولية زهيدة الثمن بعد أن قرر ألا يشتري حافظة مياه لأن سعرها في السوق أصبح 2000 ليرة سورية ويزداد بازدياد حجم الحافظة. ويقول: «قمت بإحضار دلو ماء له غطاء مصنوع من البلاستيك وأحضرت «حنفية ماء بلاستيك صغيرة» واشتريت بعض صوف العزل وإسفنج العزل ولاصق شفاف عريض وحصلنا على حافظة تحفظ المياه لست أو سبع ساعات وخاصة مع انقطاع الكهرباء الذي يستمر لأيام».
وبذلك، صنعت الظروف القاسية من النازحين مبدعين من أجل البقاء على قيد الحياة، ناهيك عن ابتكارهم طرق جديدة في التبادل التجاري تعتمد على المقايضة، واعتماد مبدأ «عطيني بيض وخود بندورة» تقول أم وليد، وهي والدة لطفلين: «لا أدري ماذا أقول، أعادنا نظام الأسد إلى فترة العصور الوسطى التي كنت فقط أقرأ عنها في الكتب خلال سنوات دراستي، لم أكن لأتوقع قط أن أعيش دور جدة جدتي في القرن الحادي والعشرين».

تابعنا على تويتر


Top