سن النضج حيث تظهر سوءاتنا

عنب بلدي – العدد 70 – الأحد 23-6-2013
عتيق – حمص
7
الحديث عن التربية وعن المرض الذي يعتريها، ومواطن الخلل الجوهرية في أفكارها وطرقها، حديثٌ محرج للغاية، حساسٌ للغاية، وكثيرًا ما يسبّب نوعًا من الجرح، ويفهم على أنه «إهانة» بشكل أو بآخر، وانتقاص من قيمة ومكانة المربيّ أو المربى، لذلك لا تلقى دعوات إعادة التفكير والنقد آذانًا مصغية للأسف، رغم هذا، يمكننا بالعودة إلى منتج هذه التربية، الشاب أو الفتاة، تقييم ما تمّ تلقيهما من الأهل والمدرسة والمجتمع، مما يظهر واضحًا في التفكير والسلوك.
المعيار الذي يضع الجميع أمام حجم الأزمة وعمق الهوّة في قضيّة التربية هو «سن النضج»، متى يصل الشاب/الفتاة إلى مرحلة النضج الفكري والعاطفي والنفسي والروحي والاجتماعي؟ في أي سن نشعر بأن الشاب/الفتاة قد بلغا مقدارًا كبيرًا من الوعي والرشد مما يؤهلهما مواجهة الحياة بكلّ تعقيداتها؟
الإجابة المخجلة على هذا السؤال، تكشف عن وجود أزمة، وأزمة عميقة، في أفكار وطرائق التربية في ثقافتنا العربيّة.

لننظر مثلًا إلى شريحة طلاب الجامعات، وهي شريحة الطبقة الوسطى، التي يعوّل عليها في تغيير أنماط التفكير والسلوك في المجتمع، هل هي فعلًا مجددة ناضجة؟ أم تقليدية غضّة؟
نجد أن الطالب عمومًا، يتخرّج وعمره 25 عامًا تقريبًا، وهو لا يدري ماذا يفعل؟ ماذا يعمل؟ هذا في حال كان يشعر بأنّه قد درس الفرع الذي يحبه (على فرض أنه يعرف ماذا يحب). يسافر أم يبقى؟ وتجد أنه إلى هذه السن لم يكوّن خطّا فكريًا متماسكًا لنفسه.
عمره 25 عامًا، وقد مرّ بعدّة قصص حب فاشلة، يحمل تصورات متوارثة مأخوذة من هنا أو هناك.
كما نجد أن الكثير من الشباب لا يبدع شيئًا خاصّا بحياته، بل يسير مع الخط العام الذي يتوجه له الآخرون عادةً، قوالب محددّة، ما عليه إلا أن يتجاوز درجاتها، دراسة، شهادة جامعيّة، لغة إنكليزيّة، سفر، وعمل في إحدى الدول الخليجيّة.
كل هذه المؤشرات وغيرها الكثير تعطينا دليلًا حول وجود تأخر في النضج، بواحدٍ أو أكثر من المستويات (النضج الفكري / العاطفي / النفسي / الاجتماعي / الديني ..) عند الشباب الجامعي، مما يشعرنا بأزمة تربويّة، وأزمة حادّة أيضًا.

البعض قد يقول بأنّ هذا الأمر طبيعيّ، وعندما نسأل عن سن النضج المتوقع عمومًا، نسمع إجابات مختلفة، تبدأ منذ سن 18 عامًا، 25 عامًا، 30 عامًا، بل والبعض يقول بأن سن النضج الحقيقي لا يكون إلا بالأربعين عامًا.
وحقيقةً فالإجابات التي تكون على شكل قوالب، لا يمكنها تقديم تفسيرات دقيقة، فلمَ نشاهد بعض الفتيان ممن لم يبلغون الثامنة عشر ولديهم من النضج ما يفاجئنا، ونجد «رجالًا» في الأربعين والخمسين كأنهم مراهقين! بل حتى الأمثال الشعبيّة تتحدّث أحيانًا عن «جهلة الأربعين!».
يبدو أن الجواب الحقيقي يكمن في التربية، التجارب، الخبرات التي يكتسبها الإنسان، لا العمر الزمني المجرّد الذي يعيش فيه.
فهل يمكن عند الحصول على تربية وخبرات وتجارب مختلفة، أن نحصل على سن أبكر للنضج؟
يقدّم لنا الخطاب القرآنيّ خريطة مفاهيمية صادمة، إذ يُعتبر سن البلوغ هو سن «التكليف» شرعًا، وهذا يعني أننا نتحدث عن سن 13 عام للإناث، و 14 عام للذكور على وجه التقريب!، في هذا السن يعتبر القرآن الإنسان «راشدًا» ومسؤولًا عن أفعاله وتصرفاته، ومكلف شرعًا بكافة الأوامر والنواهي الواردة.

وهذا ليس تحميلًا مبكرًا لمسؤوليّة كبيرة، فالتكليف القرآني للإنسان في هذا السنّ، يرتبط مع ما يفترض أن يكون المرء قد حصله من «تربية قرآنية» في سنيّ حياته قبل سن البلوغ!
بعبارة أخرى فإنّ سن الرشد القرآني المبكّر مرتبط مع تربيّة قرآنية نخبويّة.
وحتى نقطع الطريق على أصحاب التفسيرات الجاهزة والقوالب التقليديّة، فإن كل ما يقال اليوم عن «تربية إسلاميّة» لا نظن أنه يتطابق مع التربيّة القرآنية، وهذا بدليل الواقع مجددًا، لذا يتضح أننا نحتاج لبحث تنقيبي جديد ومختلف جذريًا في الأسلوب التربوي القرآني وأفكاره.
ليبقى سن الرشد القرآني المحدد بـ 14 عامًا معيارًا نقيس عليه واقعنا، ونعرف من خلال ذلك مدى تطابق تربيتنا مع الخطوط القرآنية من عدمها.

تابعنا على تويتر


Top