الإرهاب والنزوع ما بعد الحداثي لليبراليّة

طارق أبو العينين – الحياة 

تكمن المفارقة في حادث مدينة نيس أنه تزامن مع احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني وإحياء ذكرى سقوط الملكية واقتحام سجن الباستيل في نهاية القرن الثامن عشر. وتلك دلالة رمزية تؤشر إلى الارتباط الضمني بين تلك الجريمة الإرهابية البشعة وبين التسلسل التاريخي والانحراف الممارساتي لليبرالية الغربية وأيديولوجيتها الأممية منذ حقبتها البطولية في القرن الثامن عشر إبان اندلاع الثورة الفرنسية، وصولاً إلى عملية احتلال العراق وعلاقة التطبيع مع النظم العسكرية العربية قبيل ثورات الربيع.

فالفاشية الهوياتية العربية بشقها العسكري/ الوطني الذي يمثله نظام صدام حسين ونظام الأسد، وبشقها الراديكالي/ الإسلامي الذي يعبر عنه «داعش»، هي مجرد محصلة للنزوع الممارساتي ما بعد الحداثي للنظم الغربية الليبرالية، لأن النزعات القومية الهوياتية الفاشية المتطرفة بدأت بزوغها المبكر في أعقاب الحروب النابوليونية التي اندلعت مع مطلع القرن التاسع عشر.

فالخطاب القومي الهوياتي الألماني الذي دشَّنه فلاسفة مثل يوهان فيخته وهردر، جاء كردة فعل على هزيمة الجيش الألماني أمام فرنسا، لا سيما أن نابليون بونابرت كان زعيماً سياسياً جدلياً جسَّدت شخصيته وأطروحاته المتناقضة مع ذاتها وسياقها التاريخي هذا النزوع ما بعد الحداثي لليبرالية، الذي تجلى أولاً في رفضه الأيديولوجيا باعتبارها ميتافيزيقا مظلمة تسبَّبت في كل ما ألَّم بفرنسا من بؤس، وميله في المقابل إلى الحلول والأفكار غير الممنهجة التي تلائم الواقع.

حدث ذلك، على رغم الطابع الأيديولوجي للثورة الفرنسية والذي اتضح ثانياً من خلال جدلية نموذج القائد العسكري الذي يعبر عن ثورة مدنية ديموقراطية اجتماعية. فهو الذي قال في خطابه في مجلس الدولة في أيار (مايو) 1802، أن في جميع البلدان تخضع القوة للمزايا المدنية وأن الحكم العسكري لا يصلح لفرنسا أبداً ما لم تتوحش الأمة بخمسين عاماً من الجهل. ثم عاد بعد ذلك ليقول أنه من أجل أن يحكم المرء يجب أن يكون عسكرياً، فلا يُحكم الناس إلا بالمهاميز والأحذية.

ومن ثم، فنحن هنا إزاء تناقض كامن داخل النموذج الليبرالي نفسه لا يزال مستمراً وقابلاً لإعادة الإنتاج حتى الآن بين القوة والحق، وبين العسكري والمدني. وهو التناقض الذي أسهب في وصفه الفيلسوف الفرنسي ما بعد الحداثي ميشيل فوكو في كتابه «يجب الدفاع عن المجتمع»، مدشناً من خلاله العلاقة بين نشأة المجتمعات الحديثة وبين الحرب، فالحروب سبقت مولد الدول، والقوانين ولدت في خضم المعارك والغزوات والمدن المحترقة. ومن ثم، فالحق هنا حق خاص وفردي يرتبط بعلاقة غزو أو هيمنة أو أقدمية أنه حق العرق وحق الغزاة المنتصرين، وهو بذلك مجرد أفق استراتيجي يسمح للمنتصر بالانتصار.

فتلك النزعة الكولونيالية الكامنة في الخطاب الليبرالي الكلاسيكي ذاته، أو بمعنى أدق هذا التناقض بين منظومة القيم الحداثية الكونية الإنسانية وممارسات الزعماء والساسة التي تجنح باتجاه استخدام القوة العسكرية بديلاً عن الحق للتبشير بتلك القيم، هي التي بلورت مبادئ الخطاب القومي عند مُنظّر عربي مثل المفكر السوري العراقي ساطع الحصري الذي استلهم الخطاب القومي الهوياتي الألماني كمحدد أساسي لأيديولوجية جديدة يحشد بها الجماهير في مواجهة الإمبريالية الغربية. وهي الأيديولوجية التي أفرزت غالبية الديكتاتوريات العسكرية القائمة على هوس مجابهة المؤامرات الغربية ومخططاتها الإمبريالية في عالمنا العربي، وفي مقدمها بالطبع النظم البعثية في العراق وسورية. كما أنها شرعنت المنطق الجهادي في مواجهة الغرب لدى الإسلام الراديكالي المسلح. ومن ثم، فإن النموذج الليبرالي الغربي قدَّم لنا بشقه الفلسفي والمعرفي قيماً كالحق والحرية والعدالة والمساواة، كما قدم ولا يزال، من ناحية الممارسة، مقدمات للحكم العسكري ومقدمات لعلاقات القوة التي تفرض ذاتها كأمر واقع في معزل عن أطر الشرعية الدستورية والقانونية كافة.

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بعد أحداث نيس، هو هل سيستمر الغرب في سياسته البراغماتية تجاه الفاشيات العسكرية العربية بغية توظيفها في حربة ضد الإرهاب، أم سيستفيق ويدرك أن الخلل القائم بين منظومته القيمية وممارساته، هو الذي ولَّد مناخات القمع والقهر التي أنتجت تنظيماً إرهابياً كـ «داعش»؟.

تابعنا على تويتر


Top