خيارا أردوغان: زعيم حزب أم زعيم أمة؟

وائل السواح – الحياة

انتهت محاولة الانقلاب التركية بما بدا انتصاراً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه. وكان ذلك لجملة متضافرة من العوامل بينها الهبّة الشعبية التركية ضدّ الانقلابيين وموقف المعارضة التي اتفقت على إنقاذ الديموقراطية ورفض العسكر إطلاق النار على المدنيين الذين خرجوا إلى الشوارع يصدون الدبابات بصدورهم.

الآن يستطيع الرئيس أردوغان أن ينحو أحد منحيين: إما أن يكون زعيماً لحزب العدالة والتنمية أو يكون زعيماً للأمة. إما أن يكون طرفاً في الصراع وبالتالي يتصرف كمنتصر صغير، أو يكون فوق الصراع ويتصرف كزعيم يريد توحيد الأمة وانتصار الديموقراطية النهائي على آمال العسكريين المتجددة في الانقلاب والسيطرة من جديد على الحكم في تركيا.

عرفت تركيا أربعة انقلابات كبيرة: انقلاب 1960 الذي أودى بحياة رئيس الوزراء المنتخب عدنان مندريس، انقلاب 1971 على حكومة سليمان ديميريل و1980 على حكومة ديميريل أيضاً، ثم انقلاب 1997 الذي أطاح الحكومة الإسلامية الأولى برئاسة نجم الدين أربكان. كل هذه الانقلابات انتصرت وأدت إلى تغييرات كبيرة في الدستور وشكل الحكم ومضمونه. انقلاب 2016 فشل ليفسح في المجال أمام تأسيس جدي لثقافة ديموقراطية حقيقية تقوم على أساس سيادة القانون وحقوق الإنسان ومكافحة الفساد.

خيارا أردوغان ممكنان. إذا اختار أن يكون رئيساً لفئة من الأتراك، فيمكنه أن يتّبع سياسة الثأر والانتقام الشخصي ممن كانوا يريدون إطاحته، ومن توجهاته السياسية والدينية ومحاولته تغيير الدستور لمركزة أكبر قدر من السلطة في يديه. وهو إذاً يمكنه أن يعتقل آلاف العسكريين والمدنيين والقضاة والمعلمين ويعرض صورهم في شكل مذلّ على الملأ، ويمكنه أن يسرّح عشرات الألوف منهم أو يسحب شهاداتهم، ويمكنه أن يطلب من 1500 عميد كلية أن يقدموا استقالاتهم لأنه يشتبه بأنهم من أنصار خصمه (الإسلامي للمناسبة) فتح الله غولن. المشكلة ستكون كيف سيملأ الشواغر الأكاديمية والقضائية: بموظفين من الدرجة الثانية والثالثة؟ أي تأثير سلبي سيكون في قطاعي التعليم والقضاء؟ وهو، إذا آثر هذا الخيار، قمين بأن يوجه خطابات نارية ويطالب بإعادة عقوبة الإعدام ويسعى إلى التنكيل بخصومه ويطالب الإدارة الأميركية بتسليم خصمه غولن من دون براهين كافية تدين تورط الأخير بالعملية الانقلابية.

أما إذا آثر الرجل أن يكون زعيماً للأمة وأن يكون القائد الذي يوحد الأتراك كافة خلفه، فيمكنه أن ينتهز فرصة انتصاره على الانقلابيين ليثبت أن من انتصر ليس هو شخصياً وليس حزب العدالة والتنمية وليست حكومة يلديريم، وإنما انتصرت الأمة التركية وخيارها الديموقراطي والثقافة المدنية التي لن تقبل بعد اليوم تدخل العسكر في الشؤون السياسية. وعلى أردوغان إذا نحا هذا النحو أن يسلم أنه ما كان بإمكانه تحقيق الانتصار لولا وقفة المعارضة العلمانية والكردية معه. فالذين احتلوا الساحات والشوارع ليسوا فقط من أنصار حزب العدالة، بل هم أيضاً من أنصار الحزب الجمهوري وحزب الشعوب والحزب القومي ومستقلين يناصرون المدنية والعلمانية والثقافة الديموقراطية. وبالتالي فمن المتوقع أن يرد تحية المعارضة بأحسن منها وذلك بتشجيع تداول مبدأ السلطة والحد من سياسة القمع والتطهير وقمع الحريات العامة وحرية التعبير خصوصاً.

في هذه الحالة ينبغي على الرجل أن يغير خطابه من خطاب منتصر صغير إلى خطاب منتصر كبير لا يعتبر نفسه طرفاً في الصراع، بل رمزاً لوحدة الأمة. وهو إذا اختار ذلك، فسنتوقع منه التخفيف من تدخله في سياسة الحكومة التركية والترفع عن التجاذبات السياسية والتخلي عن محاولات تعديل الدستور لتحويل النظام في تركيا من برلماني إلى رئاسي يفوضه بصلاحيات تعيده طرفاً في الصراع وليس حكماً وتحيله طرفاً سياسياً وليس زعيماً للأمة.

ثمة شخصيتان تركيتان صنعتا تاريخ تركيا في القرن الفائت: مصطفى كمال أتاتورك وتورغوت أوزال. لا يزال مؤسس الجمهورية التركية كمال أتاتورك يمثل بالنسبة للأتراك بغالبيتهم رمزاً لهويتهم القومية العلمانية الحديثة وقائدهم نحو الخروج من القرون الوسطى إلى العصور الحديثة. وسواء أحببنا الرجل أم لا، فلا يمكن إنكار الدور المؤسس والتاريخي له في صناعة تركيا الحديثة.

أما تورغوت أوزال فيعتبر المؤسس الثاني للجمهورية التركية، وهو واضع حجر الأساس للنهضة الاقتصادية التي شهدتها تركيا في العقد الأخير بعد الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت تركيا بداية الألفية الثانية ومعزز البنية التحتية التي تقوم عليها النهضة الاقتصادية الراهنة ومؤسس الليبرالية السياسية المنفتحة على التيارات التركية المختلفة ومنها التيار القومي الكردي والإسلامي التركي، من دون أن يضطر إلى الدخول في مواجهة مع المؤسسة العسكرية سواء أثناء توليه رئاسة الوزارة أم في فترة رئاسته للجمهورية. وهو ما يجعله مختلفاً عن رؤساء الحكومات التركية الآخرين.

واليوم يستطيع أردوغان أن يكون المؤسس الثالث لتركيا الحديثة: تركيا القرن الواحد والعشرين. وتأتي المحاولة الانقلابية وفشلها لتقدما له فرصة ذهبية سيكون من المؤسف إضاعتها، فرصة ستمهد لعقود آتية كثيرة من الاستقرار والازدهار الاقتصادي والدور المتميز إقليمياً ودولياً، ولعلها ستفتح الباب أمام تحقيق الحلم التركي القديم بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وفي المقابل ستتسبب إضاعتها في خسارة كل ذلك وفي بقاء تركيا في دوامة العنف والانقسام السياسي والاجتماعي والثقافي.

ليس بين يدينا – للأسف – مؤشرات كثيرة إلى أن أردوغان سيختار السبيل الثاني، فالاعتقالات والتسريح من العمل وخطاب الثأر والتهديد بالإعدام تشير إلى الخيار الأول. وجاء إعلان حال الطوارئ قبل أيام ليتوج هذه المؤشرات. وستسمح حالة الطوارئ لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء بتجاوز البرلمان في إصدار قوانين جديدة، وتقييد أو تعليق الحقوق والحريات ومنع توزيع الصحف والمطبوعات، وفرض القيود على التجمعات وأنشطة الاتحادات والنقابات. ولكن – مع ذلك – يبقى ثمة أمل بعد أن تهدأ العاصفة قليلاً في تبصر طريق آخر.

تابعنا على تويتر


Top