عامودا… المأزق والخيارات

عنب بلدي – العدد 72 – الأحد 7-7-2013
آدم إبراهيم
2
لم يكن قد تبقى أي نفوذ يذكر لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD في الشارع الكردي السوري إبان انطلاق الثورة، فالنفوذ والهيمنة الكبيرين، اللذان امتلكهما الحزب -على اختلاف تسمياته- على الحياة السياسية الكردية خلال التسعينات، لم يكن قد تبقى لهما أي أثر في السنوات الأخيرة خاصة مع التقدم الكبير الذي طرأ في علاقات النظام السوري مع الجارة تركيا، ذلك التقدم قضى على أحد أهم دعائم وجود هذا الفصيل السوري من حزب العمال الكردستاني، لكن الفراغ الكبير الذي خلفه ضمور نشاط PYD في المدن الكردية لم تتمكن من استغلاله إي من أنصاف الاحزاب والأحزاب الكردية الأخرى، والبالغ عددها حسب آخر تعداد أكثر من عشرين حزبًا، بل بقيت الأخيرة منخلعة عن المجتمع الكردي. ذلك الفراغ ذاته، كان من أهم العوامل التي ساعدت PYD على استعادة قواعده الشعبية ونشاطه في زمن قياسي، كان ذلك بعد أكثر من عام على انطلاق الثورة.

خلقت الثورة السورية تقاطعًا جديدًا بين عدد من المصالح الهامة لكل من PYD  والنظام السوري، ما دفع الأخير لفتح الضوء الأخضر أمام الحزب لينفذ مشروعه في تطبيق الإدارة الذاتية الكردية في المناطق الكردية. لم يكن الأمر مجديًا بالنسبة للحزب في طوال أشهر طويلة من العمل المستمر، فالنشاطات الاحتجاجية للحزب كانت مستغربة في الشارع الكردي وسط ما كان يشهده من حراك ثوري ونفوذ للتنسيقيات والحركات الشبابية آنذاك، وحتى تفاني أعضاء الحزب في بناء مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية كمجالس الشعب، المحاكم ومنظمات المرأة والشباب والطفولة وغيرها، كلها كانت مدعاة للتندر بين الأكراد الذين كانوا يرون في الثورة فرصة لتوسيع خياراتهم السياسية بعيدًا عن هذا الحزب الستاليني، لكن الجميع بدأ ينظر لمشروع الحزب، بل ويتعامل معه، من زاوية مختلفة مع تعثر تقدم الثورة، وازداد مستوى قبوله بإزدياد الهواجس المخيفة التي بدأت تطرح بشأن مستقبل سوريا. في غضون ذلك كان PYD قد نظم وسلح آلاف من الشباب الأكراد في صفوف قوات الحماية الشعبية «YPG» التي أسسها تحت عنوان الدفاع عن الوجود القومي الكردي في سوريا بوجه هجمات «الجماعات المسلحة»، وكذلك قام باستقدام مئات من المقاتلين المتمرسين من قوات «الكيريلا» التابعة لحزب العمال الكردستاني في تركيا، لتقوم على تدريب وقيادة هؤلاء الشبان. بالطبع لم يعترض النظام نشوء هذه القوة العسكرية داخل الأراضي السورية، خاصة إذا كانت تضمن له عدم السماح بنشوء أي قوى مسلحة كردية عداها.

منذ أواخر العام الماضي، وبعد جملة من التحولات، كان المشهد السياسي في المناطق الكردية قد تبلور على الشكل التالي، مجلس وطني كردي مشكل من سته عشر حزبًا كرديًا يعاني حالة فريدة من التبلد السياسي، حراك شبابي منهك يحاول الحفاظ على وجوده بعد أن كان لاعبًا أساسيًا خلال أول عامين من الثورة، ومجلس الشعب لغربي كردستان، وهو المجلس الذي أوجده PYD. وكان النظام قد انسحب بشكل كامل من جميع البلدات والمدن ذات الغالبية الكردية في المحافظة تاركًا إياها تحت PYD سيطرة ومؤسساته كقوات الحماية الشعبية، وجهاز الأسايش «الشرطة»، ومجلس شعب غربي كردستان وغيره. أما ما سمي بالهيئة الكردية العليا التي تم تأسيسها مناصفة بين المجلسين الكرديين برعاية من إقليم كردستان العراق لتكون بمثابة قيادة سياسية كردية موحدة، فلم تحدث أي تغيير على الأرض بل إن أبرز نتائجها كان إضفاء الشرعية السياسية على مشروع PYD الذي استغل الاتفاقية كغطاء لجميع ممارساته الهادفة لخنق أي صوت معارض له.

كانت عامودا من أكثر المدن الكردية مقاومة لمشروع PYD والمجزرة الأخيرة التي ارتكبت هناك على يد مقاتلي الحزب لم تكن إلا تتويجًا مؤلمًا لسلسة من الصدامات بين الحزب وأهالي المدينة الواقعة تحت سيطرته منذ عام تقريبًا، وحتى اليوم، تتخبط ردود أفعال الشارع الكردي وقواه السياسية تجاه تلك المجزرة في مؤشر واضح لدرجة عدم الاستعداد لمواجهة الخيارات الجديد التي بات PYD يفرضها على الجميع، بعد أن أضيف العنف المسلح كأحد ادوات التعامل الكردي الداخلي.
سيذكر التاريخ مجزرة عامودا كنقطة تحول هامة في مسارات الثورة السورية المتعددة، فقد بات خيارا أكراد سوريا واضحين، فإما الرضوخ لمستبد جديد لا يختلف على سابقه إلا في اللغة التي ينطق بها، أو إيجاد طرق جديدة  للمواجهة التي لا يستبعد أن تتحول لحرب دموية أخرى.

تابعنا على تويتر


Top