وعاد… عاد مستشهدًا.. (الشهيد محمد سلمان خولاني)

محمد سلمان خولاني

عنب بلدي – العدد 72 – الأحد 7-7-2013
الشهيد محمد سلمان خولاني

تنزف المصيبة في فؤادي كلمات تصف أبي، لترقرق دموع يراعي حروفًا تبكيه، ثم لأنتقي من عليّة طفولتي وصباي صور ذكرياتي معه، وشريطًا لوّنه لي يومًا بأحلى الألوان، فكان قوس قزح حياتي.
هكذا ابتدأت ابنة الشهيد حديثنا معها، ثم تابعت «توضّأ أبي يوم الجمعة 21 كانون الأول 2012م، وقرأ القرآن، ثم جاءه اتصال من صديقه، اتفقا على مكان يلتقيان فيه، ليذهبا فيؤدّيا صلاة الجمعة من ذاك اليوم، وبعد خروجه بخمس دقائق سمعت وإخوتي وأمي صوت رصاصات، لم نسمح لعقولنا أن نتخيلها تدخل جسد أبي، ليقطع صوتها نداء أحدهم (أبو بسااااااااااام)… وهنا تجمدت الدماء في عروقنا، توسّلنا المولى أن نتمكّن من جس نبضه، ولكن إذا به ينكفئ نائمًا على ظهره، فتحت عينيه علّه يرتد بصيرًا، ورأيت على راحته الموت، ثم حاولت أن أطبق راحتيه علّ أظافره اللدنة تحفر في كفيه ملامح قدره الجديد، وصورة عرشه الملائكي، فأقتات بهذا المشهد، وأحيا به بعده.»

كان أبو بسام عضوًا في الجمعية الخيرية الإسلامية بداريا، ومسؤولًا عن صندوق مسجد أبي مسلم الخولاني، يجمع التبرعات وأموال الزكاة والصدقات، ويوزّعها على مستحقّيها، ويذكر لنا أحد العاملين معه، أنه لم يرَ يومًا أحدًا يمتلك دقة أبي بسام، «إذ كان يدوّن كل واردات وصادرات الصندوق بحكمة وصبر بالغين، ويصرفها في الزمان والمكان المناسبين، ويدقّ الأبواب يتفقد حال العائلات المسؤول عن إيصال النفقة لهم، وتراه قبيل أيام العيد منهكًا لا ينام الليل وهو يستكمل عمله، وكنت أغبطه على سريّته التامة في حفاظه على أسماء العائلات المسؤول عنها.»
وتقول زوجته «اسمه وصورته وصوته لم تغب عني لحظة واحدة، أحاول أن أمسح دموعي أمام أبنائي، وأظهر لهم صبري وتماسكي، ثم أتحدث معهم عن مقامه الجديد، ونفرح له بالشهادة، مع ألمنا الشديد لفراقه، أعلم أن الموت حق ولكن الفراق صعب ومؤلم جدًا… يا رب تفرغ الصبر على كل الأرامل والثكالى واليتامى..لأنو من بعد الأب ما بتسوى الدنيا أبدًا… وعزائي الوحيد أن الله اختاره لجواره وسيكون شفيعنا في الجنة».
ثم يصف لنا أحد أبنائه مشهد تشييعه، فيقول «جاءني نبأ استشهاد والدي كصاعقة كدت أخرّ ممزّقًا من هولها، ولم يكن بإمكاننا أن نجتاز شارع الكورنيش لنحضر جثمان والدي، إذ كان هو في الجزء الشرقي ونحن في الجزء الغربي من داريا، واقترح أحدهم أن يتم نقله إلى اللّوان -كفرسوسة- ودفنه هناك، فبكيت كثيرًا، فكيف لي أن أتخيل ترابًا آخر غير تراب داريا يوارى جثمان أبي فيه، ثم قررنا أن نخرج ليلًا فسبقنا أحدهم ليستكشف الطريق، وصلنا حوالي الساعة الثانية ليلًا إلى المنزل، لأغيب عن الوعي دقائق عندما شاهدته نائمًا كما خُيّل إلي للحظات، حملنا جثمانه الطاهر، وخرجنا نبحث عن طريق آمن، استغرق معنا ما يقرب أربع ساعات ونحن نجول الحارات نبحث عن الأكثر أمنًا لنعبر منها، وأصدقائي يتبادلون حمل الجثمان، مع التكبير بأصوات خافتة حتى لا يقتفي عناصر الأمن أثرنا، وقبل أن نصل إلى المقبرة، اتصلت بأخي الأصغر بأن يأتي إلى مكان تواجدي، ليُصعق الآخر بلحظات الوداع الأخيرة، ثم حفرنا القبر بسرعة بالغة، والقصف مستمر على المنطقة، وبعد أن فرغنا من الدفن، كانت الساعة قد قاربت السادسة والنصف صباحًا، ليسقط صاروخ في المكان ذاته، ويصاب أحد المشيعين الذين لم يتجاوز عددهم السبعة.»

عاش أبو بسام أربعًا وستين عامًا بسلام، مع حكاياته التي كان يرويها عن شبابه وأيام زمان، مع عشقه لأرضه، إذ زرع أرضه، وأكل من ثمرها، وها هو يرويها الآن بدمه برصاصة غدر دخلت أسفل رأسه، لتخرج من فوق جبينه، معلنة نهاية حياته، لتشيعه ملائكة الباري، ويصلّون عليه في الوقت ذاته الذي أراد هو أن يشهد الصلاة.
استشهد أبو بسام قبل أن يتحرر ولديه المغيبين في سجون الأسد بسّام وحسّان وصهره نبيل.

تابعنا على تويتر


Top