نحو نهضة تعليمة شاملة

حنين النقري – دوما
5

للمناطق المحررة جوانب مختلفة كثيرة عمّا سواها، ولن يكون قطاع التعليم استثناء من هذه الاختلافات، ولعلّنا مهما اقترحنا من حلول ووصفنا من وسائل بديلة، ستبقى معاينتنا المباشرة للواقع وعيشنا له مختلفة تمامًا عن كل كتابة نظرية.. فما أبرز اختلافات قطاع التعليم، مشاكله، وحلوله؟؟
يبدأ الاختلاف الأول-المشكلة الأولى من الطالب، فمدينة دوما على سبيل المثال، عرفت الحصار منذ الشهر الأول للثورة، وتسبب هذا بتغيّب طلابها ما يقارب الشهر حينها، استمر الوضع بالتفاقم من حصار ﻵخر، ومن نزوح لنزوح، فمضى على الطلاب عامان دراسيّان ليس فيهما من صفة التعليم سوى الاسم، والنجاح الصوري لكل الطلاب، دون نيل المهارات والمؤهّلات الحقيقيّة للانتقال من صف لآخر.
نفسيًّا، ستلاحظ تغيّرًا في سيكولوجية الطالب، الذي بات يرى أنه غير ملزم بالتعليم.. باتت المدرسة من الأمور الثانوية جدًّا، وبات الشعور «بوجوب» التعلّم أمرًا مغيبًا تمامًا، ثمّة الكثير من الأطفال ممن فاتهم حقًّا الكثير من العلم في ظلّ الاهتمام بأمور معيشية أشد إلحاحًا، الأمن والغذاء والمأوى مثلًا.
برأيي، الأمر وإن احتوى صعابًا ومشاكل، فإنّ الخير بين ثناياه أكبر..

الفائدة الأولى كما أراها، هي في تحوّل العلم من «إجبار» لأمر خياري «نريده»، هذا التحوّل النفسي مهم جدًّا، ليغدو العلم مطلبًا وحاجة، لا أمرًا روتينيًا إلزاميًا فقط.
الفائدة الثانية التي يجب أن نعمل عليها، المرونة في المناهج حسب الحاجة، الاتجاه للعلم المفيد والابتعاد عن الحشو في المناهج، إمكانية نقد المعلومات التاريخية المغلوطة في المناهج بسبب حرّية الفكر.
انتشار التعليم المنزلي بشكل كبير هو أحد الأمور الرائعة الواجب السعي لتعزيزيها، في ظلّ الظروف الأمنية الصعبة، نجد الكثير من الأمهات يتجهن للإشراف المباشر على تعليم أبنائهنّ في البيوت، الاتجاه للكتاب بصفته المصدر الأول للعلم بغض النظر عن المناهج، تلك التي ما كان الطالب يدري سواها أو يتجه لمصدر غيرها.
لما يجري اليوم أهمية كبيرة أيضًا على صعيد الكوادر، إذ نرى تفعيلًا كبيرًا للخريجين الجدد، طاقات شبابية رائعة نراها تعمل وتكدّ في قطاع التعليم، وتعطي ما لديها جنبًا إلى جنب مع الأساتذة الكبار، تبرز نفسها كشخصيات قادرة حقًّا على الاقتراب من الطالب، بناء علاقة مودة وصداقة معه؛ بعيدًا عن قوالب التعليم الجامدة سابقًا، وبعيدًا عن النظرة المسبقة لأي كادر شبابي أنه غير كفء للتعليم والانخراط في مهمّة التدريس.
سيأتي من يسأل عن «الاعتراف بالشهادات» الصادرة عن أي مجمع أو جهة تعليمية، الأمر الذي تمّ الحديث عنه كثيرًا في الفترة الأخيرة، وهو باعتقادي -حتى في حال عدم الاعتراف بالشهادات- مصدر قوّة لنا.

عقود وعقود مرّت، وأهمّ ما في التعليم هو الشهادة التي تنالها منه، تلك التي تحوّلت لمقصد بحد ذاتها، حتى طغت على العلم، المؤهّلات، المهارات، الأمر الذي يدفع الطالب للغش في الامتحان فقط لرغبته بنجاح يعطيه شهادة وينقله لمستوى أعلى؟
لو كان العلم هو المقصد، لكان الطالب هو الحريص على الإلمام بالمعلومة التي تنفعه، لكنّ التقييم الامتحاني المقولب، المناهج الموسوعية الطابع، تشجيع الطالب على البصم والحفظ، ومستقبله الذي تحدده العلامة التي سينالها، كلها أمور حوّلت العلم لمجرد وسيلة نتجه بها إلى غايتنا «الشهادة»، مما جعل الطالب يتجه لوسائل عديدة تساعده كالغش الامتحاني، الرشوة وابتياع الأسئلة الامتحانية، وسواها كثير من سبل تحقيق المقصد الأسمى من العملية التعليمية «الشهادة».
اليوم، وفي ظلّ مجهوليّة طبيعة الشهادة الصادرة عن الهيئات التعليمية في المناطق المحرّرة، أرى أن اتجاه الطالب سيكون للعلم لأجل العلم، وسيكون البديل عن حشو المعلومات النظرية بأي مجال، هو تجميع المعلومات التطبيقية القادرة على رفده بمهارات بالمجال الذي يحبّ، طبّي هندسي إعلامي لغوي أو سواها من التخصصات..
أمور كثيرة يمكننا الاستفادة منها لبناء منظومات -لا منظومة واحدة- تعليمية، تهتم بفكر الإنسان وثقافته ومهاراته، بوسائل مرنة مختلفة الآلية متحدة الهدف، لا قوالب جامدة تسعى لصنع عقول مستنسخة، فهل سنسعى للاستفادة من ظروفنا لصنع نهضة علميّة بمنظور جديد تمامًا، أم أنّنا سنعود لسابق عهدنا بمجرد عودة الظروف لطبيعتها؟
الجواب بأيدينا..

تابعنا على تويتر


Top