الحرية الفكرية، خيار العقلاء

عنب بلدي – العدد 72 – الأحد 7-7-2013
عتيق – حمص
6
في عهد الاستبداد تضيق دائرة التفكير الحرّ، ودائرة الإعلام الحرّ، لأشدّ حدّ، حتى يخال للناظر إلى المجتمع، أنّه مجتمع متجانس، تجمعه الأفكار والآراء عينها، وما هذا إلا بسبب القوّة التي تمنع الأفكار المخالفة من التشكّل والنموّ ابتداءً، وتمنعها من الانتشار والتوسّع، فيما لو وقع المحذور، وتشكّلت فكرة مغايرة للسائد.
هذا التشابه المَرضيّ يخلق نوعًا من الانسجام (الوهميّ)، وحالةً من الألفة، يشعر المرء بالأمان عندها، إذ ينتمي لما ينتمي له الجمع الكبير، يتحدث اللغة عينها، والمفردات نفسها، ويؤمن بصحّة ما يؤمنون، وبخطأ ما يرفضون. كما يجعل من الرأيّ المخالف والغريب شيئًا شاذًا مقلقًا، مرفوضًا ابتداءً.
لكن في المقابل تقتات هذه الحالة على نفسها، فيستشري في المنظومة المستبدّة (دولة كانت أو غيرها) فساد عظيم، يضعف كيانها، ويفتح الثقوب، لحالة انقلاب أو تغيير أو ثورة.
{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}، تعبّر الآية عن هذه السنّة الكونيّة، وتسميها «المدافعة»، وتجعلها سببًا في مقاومة الفساد، لأنّ وجود المعارضة يخلق نوعًا من التحديّ والمنافسة في تقديم الأفضل، ويلزم هذا نقد الأداء وتصحيحه للتفوق على الخصوم السياسيين أو الفكريين أو غيرهم.
لذا فإنّ وجود الآراء المتعدّدة والمتناقضة في بيئةٍ واحدة هو عاملٌ صحيّ، يعمل على إنضاج الآراء كلّها بلا استثناء، إذ تتعرض جميعها للمناقشة والنقد والردّ، وهذا يسهم في بلورتها وإنضاجها، وبالتالي إنشاء منظومة فكريّة أقرب للصواب، وأكثر استجابة للواقع وتحدّياته، الأمر الذي ينعكس بالخير على المجتمع كلّه، سواءً المؤمنون بصحّة ما يطبّق (المدافعون عنه فكريًا) أو المعتقدون بخطأ ما يطبّق (الناقدون له).
من هذا المنطلق نجد أنّ الحريّة الفكريّة ليست حالة صحيّة وحقٌ وجوديّ فحسب، بل هي الجوّ الضامن لبناء كيانٍ قويّ لا تهدّده الفتن الداخليّة أو المكائد الخارجيّة.

ومن هنا يكون الدفاع عن حقّ الآخر في قول وتبني ونشر ما يريد، عاملًا مساهمًا في حماية المجتمع، من الفساد، بل وفي صيانة أفكاره، وتطوير واقعه.
ولا ينفع أن نقول بأنّ هذا «الآخر» يتبنى الآراء الخطأ، فهذه هي الحالة الطبيعيّة، فطالما كان هناك أطرافٌ متعدّدة، كان هذا يعني أن كلّ طرف يؤمن ببطلان ما لدى الآخر من أفكار، ويسعى لتبيان حجته في ذلك، ونشر أفكاره التي يؤمن أنها الأقرب للصحّة.
كما أنّه لا يوجد داعٍ للخوف من نشر الفكر الذي نراه «منحرفًا»، كالفكر العلماني في نظر الإسلاميين، للسبب عينه: كتم الأفكار أيًا كانت يلحق الفساد بالمنظومة ويؤديّ لهلاكها، ثم إنّ المنع لا يزيد الفكرة إلا قوةً، وفي النهاية هذا يحرم الطرف المعنيّ من فرصّة ذهبيّة في سماع نقدٍ موجهٍ له، قد يحمل الكثير من الصحّة.
وكثيرًا ما كان الخطاب القرآني يعرض شبه الرافضين للدعوة، وأحيانًا دون أن يردّ عليها!
في هذا الفضاء الحرّ في خلق وتبادل الأفكار، وفيه فقط، يمكن أن تتشكّل أقوى المجتمعات، وأكثرها قوةً وتماسكًا، وأنضجها، وأقدرها على إنتاج الثقافة والحضارة وتصدير القيم والأخلاق، وهي وحدها القادرة على تغيير وجه الأرض، واختراق الآفاق.
في المرة القادمة عندما تسمعون رأيًا غريبًا، ترونه «شاذًا»، لا تشعرون بالقلق، أو التهديد، فهناك عشرات النظريات، والمنظومات، والفلسفات، والكثير من القراءات المختلفة للإسلام وللعلمانيّة والليبراليّة وغيرها، هذه هي الحالة الصحيّة، ولنحاول أن نسمع لهذه الآراء، وأن نفهمها، وأن نبادلها الحجّة لو رأينا خطأها.

تابعنا على تويتر


Top