نزيف الشبكات الاجتماعية

عنب بلدي – العدد 72 – الأحد 7-7-2013
بشير – حماه
1000
لم تكن الشبكات الاجتماعية قبل الربيع العربي ذائعة الصيت إلى الحد الذي وصلت إليه اليوم، إذ كانت قلة قليلة لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك، تويتر)، أما ما تبقى من الناس فكانوا قد سمعوا بها من غيرهم بل إن كثيرًا من الناس لم يسمعوا بها .
آلية التفكير عند الناس في مجتمعنا لم تختلف كثيرًا في الفترتين قبل وبعد انتشار الشبكات الاجتماعية، إذ إن مشاكل التفكير الكثيرة التي نعاني منها انتقلت ونُسخت من الأرض ولُصقت على صفحات الفيس بوك، فكانت تلك الشبكات في كثير من الأحيان مرآة وصدى للواقع الفكري السائد وصارت مهمتها ترسيخ بعض الأخطاء الفكرية أكثر من معالجتها بكثير، ويمكننا، إن كنا منصفين، أن نستثني المراحل الأولى لاندلاع الثورة من تلك العلل في الشبكات الاجتماعية .
نستطيع هنا أن نسجل بعض العقبات التي توالدت عبر الشبكات الاجتماعية وتكاثرت حتى صارت من المسلمات الفكرية وتغلغلت في عقول الكثيرين، وأخذت تشكل آلية تفكير ومنهجًا استقرائيًا يصبغ الواقع الثوري خاصة والاجتماعي عامة بصبغة تلك الشبات وآلية تفكيرها، ونذكر بعضًا منها :

المقارنة
تنقل الشبكات الاجتماعية وخاصة الفيس بوك أخبارنا إلى الغير وأخبار الغير لنا وبكافّة التفاصيل الممكنة من صور وفيديو وأحداث يومية أخرى، الأمر الذي يضعنا أمام مقارنة مباشرة من حيث لا ندري مع سلوك الآخرين وأعمالهم ونجاحاتهم وإخفاقاتهم،
وتذكر إحدى الدراسات النفسية أن أهم القواعد الأساسية في مجال تنمية الذات تقول بأن المقارنة المجدية للإنسان إنما تكون مع ذاته السابقة وليس مع الآخر، مقارنته بين البارحة والآن بين ماضي الإنسان القريب وحاضره، فكل شخص في هذا الكون لديه إمكانات وملكات خاصّة به وحده ولن يستطيع أن يتقولب بقالب فلان من الناس مهما حاول وسيغدو نسخة مبرمجة ستفشل سريعًا، فمعايير النجاح والفشل والسعادة والإخفاق مختلفة من شخص لآخر ومن تركيبة لأخرى لكن الفيس بوك جعل من الناس نسخًا تحاول تكرار بعضها البعض، مما خلق في بعض الأحيان شعور بالفوقية أو التعاسة أو النقص أو التمرد والغرور من الآخر نتيجة تلك المقارنة .

الخضوع لسلطة المجموع
السلطة بشكل عام هي المصدر الذي لا يناقش والذي نخضع له بناءً على إيماننا بأن رأي ذلك المصدر هو الكلمة النهائية، وبأن معرفته تسمو على معرفتنا .
ووفق هذا الكلام نجد أن الشبكات الاجتماعية تُكسب الرأي المنتشر، رأي غالبية المشتركين على الفيسبوك، لكن ليس بالضرورة أن تكون نفس الغالبية لهذا الرأي على الأرض؛ سلطة كبيرة وسطوة على رأي المخالفين، فالآراء التي تكون بعيدة عن رأي المجموع والرأي السائد، تكون مرفوضة في عالم الشبكات الاجتماعية بل ربما يخوّن صاحبها ويتهم في دينه بعض الأحوال. الأمر الذي يؤدي بالكثير من قليلي الخبرة الفكرية إلى الرضوخ لسلطة المجموع باعتبار هذا الخضوع يمثل لهم الأسلوب الأكثر راحة في حل المشكلات، ويعفيهم من مهمة التفكير وخلق رؤىً جديدةً غير الرؤى التي لم تجدِ نفعًا مع الواقع والثورة طيلة فترة انتشارها وطغيانها.

سلطة الانتشار
إن الرأي يكتسب سلطةً أكبر إذا كان شائعًا بين الناس أكثر، وكلما زاد عدد القائلين به كان من الصعب مقاومته، هذه حقيقة تبدو جلية جدًا في إطار الشبكات الاجتماعية.
عندما يصدر فيديو مسرب مثلًا من جهة معينة -من الممكن أن يكون مدسوسًا لتحقيق غايات بعيدة عن مصلحة الثورة-، ترى أن الفيديو وبسرعة كبيرة ينتشر على مئات الصفحات الثورية وتبدأ المشاركات والإشارات وإعادة التغريد، ويتم تناقله بكثافة ملحوظة فيأخذ ذلك المقطع -بسبب ذلك الانتشار لا أكثر- سلطة عقلية كبيرة ويسيطر محتواه على العقل الجمعي وتبنى عليه التنبؤات وتدار حوله النقاشات ويستسقى النصر من خلاله أو الهزيمة حتى، ويصير الرأي المخالف لذلك المقطع هو الرأي الشاذ ويغيب الصوت الآخر ويندثر تحت زحمة الانتشار الرهيبة .
هنا نجد أن الرأي المخالف للمنتشر -والذي يحتمل الخطأ أيضًا- يشعر بالغرابة وعدم الأمان وبأن فكرته مخالفة للفكرة التي يتبناها ألوف الناس، لكن هذا الرأي المخالف لا يدرك أن هذا التبني حدث فقط لأن الناس والمجموع والألوف قد تبنته ولم ينجم عن قناعة وتحليل ودراسة منطقية وعقلية في كثير من الأحيان؛ فينسحب الرأي المخالف غالبًا وهنا مكمن الخطأ الذي يجب أن يعالج، فالزج بالنفس والتكلم بصوت قوي هو الأساس، فجميع حالات التقدم وجميع الحقائق التي توصلت لها البشرية كانت بسبب جسارة قلة قليلة من البشر تجاسروا على أن يقولوا رأيهم بكل جرأة في وجه ألوف مؤلفة من الناس، ولما تقدمت البشرية في مسيرتها كان هؤلاء الأفراد قلة في البداية، لكن أفكارهم أخذت تتسع حتى تفرض نفسها في النهاية على المجموع.
ولا نتكلم هنا عن المخالفة بقصد الشهرة أو الظهور، إنما نتكلم عن الآراء التي تملك الدليل على بطلان الأفكار السائدة والتي تقدم بديلًا واضحًا ومنطقيًا عنها .

تتربع أرقام المتابعين ومسجلي الإعجاب صدارة الصفحات الاجتماعية، فعندما تدخل على صفحة أحدهم أول ما يقع نظرك على عدد المعجبين وعدد الأصدقاء وعدد المتابعين، وفي بعض الأحيان تكون أرقام المتابعين مخيفة وتحقق لأصحابها شهرة كبيرة.
وبصرف النظر عن السبب الحقيقي لتلك الأرقام، فإن الرأي يكتسب سلطة أكبر إذا كان صاحبه مشهورًا في مجاله، والواقع أن الشهرة تجلب المزيد من الشهرة، تمامًا كما أن المال يجلب المزيد من المال، إذ يكتفي أن ينشهر الإنسان لسبب قد لا يكون له علاقة مباشرة بكفاءته، لكن زيادة عدد المتابعين والمعجبين أحدث تأثيرًا تراكميًا لنفوذهم ولسلطتهم الفكرية على الناس، وأخذت الجماهير تتبع أخبارهم وتتلقف كلماتهم وتزيد عيلها تفسيرات وتأويلات، تعطيها قيمة لا تكون جديرةً أو محتواةً بها أصلًا .
هذه بعض الأخطاء التي اقتحمت عقولنا من بوابة الشبكات الاجتماعية علّنا ننتبه لها ونكون أكثر وعيًا وأكثر اقتصادًا في الاعتماد على تلك الشبكات، التي ربما تغادرنا في يوم من الأيام عندما يلحظ أصحابها أن ضررها عليهم قد فاق نفعها  .

تابعنا على تويتر


Top