أتراك يقدمون نماذج في “الإخاء” باستقبال السوريين

syrian-woman.jpg

لاجئة سورية في تركيا (إنترنت)

حنين النقري – عنب بلدي

تُنير أشعة الشمس غرفةً بسيطة الأثاث، حيث تجتمع في كلّ يوم سيدتان سوريةٌ وتركيّة تحاولان التفاهم والتخاطب معًا وتتعاونان في شغل بعض المنسوجات اليدوية. لم يخطر لـ “أمينة” عندما خُطبت لابن عمها تاركةً دراسة شهادتها الإعدادية، أنها ستعود للتعلم بعد عشرين عامًا، في بلد لم تره إلا في المسلسلات، وعلى يد حاجة لا تشبه معلّمات المدارس في شيء.

أمينة شابة من ريف حمص وأمٌ لأربعة أطفال، تقول “كان زوجي محمد يعمل طيّانًا مع أخيه الأصغر، حياتنا كانت مستقرة وأمورنا المادية مستورة والحمد لله، شارك زوجي بالمظاهرات مثل معظم أهل حمص وكنتُ أخاف عليه، لكنني لم أمنعه”.

أصيب محمد بطلق ناريّ أثناء مظاهرة في بلدته القصير أواخر عام 2012، ولأنه لم يكن الإسعاف إلى المشافي ممكنًا عولج بمشفى ميدانيّ بإمكانيات متواضعة، لكن الجرح التهب في قدمه، بسبب سوء التعقيم وعدم إمكانية قصد المشافي الحكومية أو الخاصة، وتقول أمينة “ساء وضع زوجي بشكل كبير، إلى أن اضطر الأطباء في المشفى الميداني لبترها”.

وهكذا بدأت أحوال الأسرة بالتدهور بعدما بُترت قدم المعيل الوحيد فيها، وأصبح عمله كطيّان بالغ الصعوبة. ولم تكن العائلة استثناءًا في تدهور أحوالها، إذ ساءت الأوضاع المادية والغذائية في ريف حمص عمومًا، وهنا قررت العائلة أن تسلك طريقًا سلكه الكثير من السوريين قبل، تتابع أمينة “قررنا أن ننزح إلى الشمال السوري حيث يوجد صديق لزوجي أخبره أن الأوضاع هناك أفضل، كانت الطائرات الحربية قد ألقت منشورات تحذّر فيها أهالي القصير من اقتحام قريب، وهو ما أسهم بحسم قرارنا في النهاية رغم تشكيك الكثيرين بأن المنشورات جزء من حرب نفسية لا أكثر، حزمنا ما استطعنا من متاع وتوجّهنا إلى ريف إدلب، ربما كان قرار نزوحنا من أفضل القرارات التي اتخذناها إذ اقتُحمت القصير بعدها مباشرة”.

وكان نظام الأسد مصحوبًا بقوات تابعة لـ “حزب الله” اللبناني، اقتحم مدينة القصير في ريف حمص في أواخر أيار 2013، بمعركة دامت 18 يومًا، كان حصيلة خسائرها ما يزيد عن 1250 ضحية من المدنيين، وعدد مقارب من الجرحى والمعتقلين.

“استقبلتنا مساجد تركيّا”

بعد عامين من الإقامة في إدلب، وتناوب الأيام بين الشدة والرخاء، قرّر محمد وصديقه النزوح بعائلتيهما إلى تركيا، مع اشتداد القصف على إدلب وافتقارهما لفرص عمل فيها، تستأنف أمينة “لجأنا إلى مهرّب من جانب صديق زوجي وأمّن دخولنا إلى تركيا عن طريق الحدود البرية، كان ذلك بعد عامين تقريبًا من بقائنا في إدلب، وهناك في تركيا لم يكن لنا أحد سوى الله”.

دخلت العائلتان إلى تركيا منتصف عام 2015، هناك حيث كانت أرصفة أنطاكيا ومساجدها وحدها من استقبلهم، تقول أمينة “كان معنا قرابة ألف ليرة تركية هي كل ما نملك، بدأ زوجي وصديقه بالبحث عن عمل ليكفونا ذلّ السؤال في بلد غريب، وهنا تعرّفنا على الحاج عثمان التركي وتغّيرت حياتنا كليًا”.

ويشار إلى أن عدد اللاجئين السوريين في تركيا وصل إلى ثلاثة ملايين لاجئ حسب تصريح وزير الغابات وشؤون المياه التركي فيسيل إيروغلو في شباط 2016، وتقدّر المساعدات التي قدمتها الحكومة التركية للاجئين السوريين بـ 10 مليارات دولار.

عندما تلتقي الدروب

عثمان رجل ستينيّ وضيء الوجه، تاجر ميسور الحال من مدينة قونية، يعتزّ بلقب “حاج” الذي أصبح من حوله ينادونه به، بعد أن أدى فريضة الحج منذ أعوام، وهو لقب يحمّله مسؤولية إضافية في فعل الخير المستمر، حسب تعبيره، يقول الحاج عثمان “عندما بدأ إخواننا السوريون بالقدوم إلى تركيا تاركين بيوتهم وأملاكهم خلفهم، علمتُ أن خدمتهم هي أكبر عمل خير يمكنني تقديمه وبدأت أرسل ما يتيسر لي من أموال إلى الداخل السوري، لكنني اكتشفتُ بعدها أن هناك من يستغلّني ولا يسلّم الأموال لمستحقيها، فقررت أن أبذل المال بشكل مباشر على أشخاص أراهم يحتاجونها في تركيا، وهنا بدأت البحث عن محتاجين من خلال أصدقائي في المدن التركية التي يكثر تواجد السوريين فيها”.

تواصل أحد أصدقاء الحاج عثمان معه ليخبره عن عائلتين يعيشون في أحد مساجد أنطاكيا ويبحث رجالهم عن عمل، وهنا قرر أن يتكفل بنفقاتهم كاملة، تقول أمينة “فوجئنا عندما عرض علينا حاج ستينيّ أن ينقلنا لمدينته قونية على نفقته، وأنه استأجر لنا منزلين منفصلين وسيتكفل بنفقتنا كاملة”.

منزل وعمل وكرامة محفوظة

انتقلت العائلتان على نفقة الحاج عثمان من أنطاكيا إلى قونية، هناك حيث كان بانتظارهما منزلان مفروشان بأثاث بسيط، مزوّدان بسلة غذائية كافية لمدة شهر كامل، تقول أمينة “لم نكن نريد أكثر من غرفة تأوينا وعمل يكفينا الحاجة، لكن الله رزقنا ما هو أكثر من هذا بكثير، لم يكن البيت آخر ما قدمه الحاج لنا إذ تكفل بمبلغ شهري لكن زوجي لم يقبل بأن يعيش عالة على أحد، وهنا وظّفه الحاج مع صديقه ليعملا في مخزن أحد متاجره”.

لم يتمكن محمد وصديقه من الاستمرار بالعمل في المخزن لحاجتهما لتصريح عمل، وهنا انتقلا ليعملا في إحدى مزارع الحاج عثمان بأعمال زراعية لقاء أجر شهري يتكفل بمعيشة كريمة، حسب تعبير أمينة “يدفع الحاج أجار المنزلين، ويرسل لنا شهريًا سلة غذائية، بالإضافة لبطاقات تسوّق بمقدار 50 ليرة تركية لكلّ فرد في العائلة، وراتب شهري مقابل عمل زوجي وصديقه، لا يمكن تخيّل المساعدة التي يقدمها لنا هذا الشخص بطيبته وكرمه، دونما شفقة أو أية “منّية”، كما يرسل لنا سيارته وسائقه الخاص عندما نضطر للذهاب لأي مكان بشكل طارئ”.

على مقاعد الدراسة مجددًا

تقول أمينة إن عائلة الحاج يعاملونها وأبناءها كجزء منهم، ويدعونها لزيارتهم في منزلهم على الدوام، لكن عائق اللغة يقف حاجزًا أمام تواصلها واندماجها معهم، وهو ما وجدوا له حلًا في النهاية، “في الجوار تسكن حاجّة مسنّة حافظة للقرآن، وتعرف بعض الكلمات العربية، لم يرزقها الله بأبناء وسخّرت وقتها كله لحفظ القرآن، أوصتها زوجة الحاج بأن تعلمني اللغة التركية، وهو ما تقوم به يوميًا، أزورها أو تزورني ثلاثة ساعات كل صباح ونحاول أن نتواصل”.

“الحاجة شكرية صبورة جدًا وقد تعلّمت على يديها الكثير من الكلمات، اليوم أستطيع أن أفهم ما يُقال أمامي تقريبًا، وأتمكن من إيصال المعنى الذي أرغب به بشكل بسيط”، تتابع أمينة ضاحكة “لم أتوقع أن أتمكن من تعلّم لغة جديدة بعد ترك مقاعد الدراسة بعشرين عامًا، أنا وأولادي نتعلم اليوم اللغة نفسها، هم في مدرستهم وأنا على يد الحاجة شكرية”.

ملاحظة: الأسماء الواردة مُحرفة بناءً على طلب أصحابها.

لم أتوقع أن أتمكن من تعلّم لغة جديدة بعد ترك مقاعد الدراسة بعشرين عامًا، أنا وأولادي نتعلم اليوم اللغة نفسها، هم في مدرستهم وأنا على يد الحاجة شكرية

تابعنا على تويتر


Top