في البدء إيران.. وفي النهاية؟

حذام زهور عدي

لم يكن الحراك الثوري السوري مفاجئًا لأحد، لا للنظام الحاكم ولا لملالي السلطة الإيرانية، ولا لأجهزة الاستخبارات العالمية، فقد كانوا جميعًا يترقبون وصول موجة الربيع العربي إلى سوريا، ولعل الشعب السوري وحده فاجأ نفسه بذلك التحرك البركاني، وكانت أسرة الأسد الحاكمة قد تداولت الأمر فيما بينها وقررت السير بالطريق الذي سار عليه مؤسس دولتها الأسد الأب، عندما عالج تمرد الطليعة المقاتلة في مدينة حماة، وفاءً له وتمسكًا بالإرث الذي تركه لها.

أما الخليفة الابن فقد أصابته الصدمة في الأيام الأولى بالرغم من تلك المداولات والتحضيرات والقرارات العائلية، كما نقل بعض المقربين منه، ووقع بلوثة التردد، بين أن يقبل نصائح الأصدقاء الداخليين والخارجيين في إجراء إصلاحات تُجنب البلد الحروب والدمار وبين حل عسكري يُنهي الحراك بما تشتهي العائلة، تأسيسًا لملك عضود.

لكن ملالي إيران كانوا قد أعدوا العدة لخراب سوريا وجعل دمشق العاصمة العربية الثالثة التي تلتحق بوليهم الفقيه، فأرسلوا الجلالي، مندوبًا عن الخامنئي، ليثبت الأسد الابن ويبلغه كما روى من عرف بالأمر “سنكون معك للنهاية، باستطاعتك قمع الحراك كما فعلنا بالثورة الخضراء، أنت مختلف عمن قبلك من الرؤساء، ولديك الكثير من أوراق المساومة، والوضع الدولي لن يكون معاديًا لك”.

وهكذا خرج الأسد وألقى الخطاب المشهور الذي أعلن فيه الحرب على شعبه، كما أرادت العائلة، والأهم كما أراد ملالي إيران. لكنه بقي يناور –وفق ما نصحوه- بالإيحاء باستمزاج آراء المعتدلين في سلطته، والإيعاز لمن حوله بالمؤتمرات والحوارات، التي لم تكن إلا تغطية لخطط وضعتها أجهزة الملالي بالاشتراك مع القيادات الأمنية والعسكرية السورية الموالية.

لم يمرّ من زمن الحراك الشعبي إلا أشهر معدودات حتى استطاع الأسد الإيراني حصد القيادات الشابة الأولى والثانية والثالثة، فالثورة لم تكن بفعل حزب أو قيادة متمرسة بالسياسة والخطط الثورية، ومن كان بإمكانه أن يتطور بهذا الاتجاه رُصد بعناية ودقة مخابراتية وأعدم أو أخفي خطفًا أو هُرّب خارج البلاد، وهكذا نجحت خططهم بتطييف الثورة وعسكرتها، وظن النظام والملالي أن الثورة أو التمرد في طريق النهاية.

لكنّ الشعب السوري عندما قرر الثورة كان يدرك تمامًا أنه سار في طريق اللاعودة، وخاصة أنه لمس تجاوبًا مع حقوقه من الدول الراعية للديمقراطية والسلام العالمي، ومع تبدل موازين القوى الإقليمية، وتهديد سلطة ملالي إيران بملء الفم لدول الخليج العربية، كان لابد للثورة المسلحة أن تستمر، وكان لابد لملالي إيران الذين سيطروا على القرار السوري أن يدفعوا الثمن، دعمًا اقتصاديًا وعسكريًا، وإعلاميًا وسياسيًا، من خلال تنسيقهم مع الحلفاء الروس الذين كانوا يراقبون التطورات عن بعد مستنزفين المال العراقي والإيراني في بيع أسلحتهم المنسَقة.

لم يستطع ملالي إيران، بخبرائهم الاستراتيجيين وبالحزب الإلهي اللبناني وبالميليشيات الطائفية وبحرسهم الثوري وببعض ألوية نخبة جيشهم، أن يقضوا على الثورة ويحسموا نصرهم، بالرغم من نقاط الضعف غير القليلة التي تعاني منها قيادتها وتركيبها، وبالرغم من استراتيجية تمديد الوقت التي اتبعها النظام الأسدي وفق نصائحهم، لشرذمتها وتعفينها واستنزاف حلفائها، وتحويلها إلى حركات إرهابية تتنافس دول العالم على قمعها واستئصالها عسكريًا.

ولم تكن إبادة الشعب الثائر، بحجة البيئة الحاضنة للإرهاب، إلا جزءًا من تلك الاستراتيجية التي خُلقت من خلالها حركة داعش، وتمددت وتحول الأمر إلى تهديد للسلم العالمي.

فهل قصد الملالي بخططهم تلك أخذ الحصة الأكبر من الشرق الأوسط أم نتج عن غطرسة سياستهم وإحلال الأوهام محل العقلانية والوقائع؟ تلك الأوهام هي التي جعلتهم يستقدمون الدب الروسي إلى كروم سوريا، والفيل الأمريكي إلى أجوائها، ويخلقون أفضل الظروف لتقسيم سوريا ونشوء كيان كردي موسع مستقل أو شبه مستقل، ويقدمون الشرق الأوسط العربي وغير العربي على طبق من ذهب لصانعي النظام العالمي الجديد وأيدي مديريه.

وتبقى الأسئلة:

هل يعتقد ملالي السلطة الإيرانية أنهم بمنأى عن خرائط النظام العالمي الجديد؟ ألا يرون أن تقسيم بلادهم يدق أبوابها، فهاهم ملايين الأكراد الإيرانيين يحملون السلاح لتحقيق دولتهم الكبرى وآلاف العرب الأحوازيون يناضلون للعودة إلى دولتهم المغدورة، والبلوش والأزديين… وهل يظن الملالي أن مسايرة المجتمع العالمي اليوم لهم، سواء من خلال الاتفاق النووي أو من خلال الإعلام، على حساب الشعوب العربية سيحميهم وقتذاك؟ أم ستتحول الأحوال إلى ماتحولت إليه في سوريا؟ وتبدأ الدول الكبرى الاتفاقات بينها من تحت الطاولة وفوقها ولن تنفعهم قوة نووية أو صاروخية لأن عفن الملالي يكون قد أكل أية مناعة شعبية عندهم؟

وهل تظن الفئة الإيرانية الحاكمة أنها قادرة على تنمية شعبها وحل مشاكله وتطوير بنيته التحتية والفوقية والدخول في عصر الحداثة، وهي تُستنزف بأوهام الإمبراطورية الساسانية وتصدير المذهب الشيعي للعالم الإسلامي كله؟

بل هل تعتقد أن تبنيها لنظام الأسد والسيطرة عليه ودعمها له بالغالي والرخيص قد يُعطيها الحصة الأكبر التي كانت تعمل عليها ومن أجلها من الكعكة السورية؟

ألم يخطر ببال الساسة الإيرانيين أن أياد أكبر منهم بدأت بتقاسم الكعكة وأن سياستهم الحمقاء هي التي استجلبتها، ولن يأخذوا منها أكثر من حصة تلميذ مشاغب في مدرسة متخلفة، بالرغم من الإغراءات الاستثمارية التي يلوّحون بها ليضعها المعنيون بالقسمة في الميزان الإيراني.

لقد ترك المجتمع الدولي لسلطة ملالي إيران أن تفتتح المشهد السوري، وتعمل وحيدة على الكارثة السورية، وتُشابك خطوطها، لكنها بكل تأكيد لن تستطيع، ولن تتركها القوى العظمى، أن تستفرد بسوريا، كما فعلت في العراق.

بعد أن انتصفت السنة السادسة للثورة لن يحقق الملالي ما اشتهوه، ولن يكتبوا السطر الأخير منها… صدق من قال: من يضحك آخرًا هو وحده الذي يستمر بالضحك.

تابعنا على تويتر


Top