علاقة واشنطن وموسكو متوتّرة خلافاً للشائع

سركيس نعوم – النهار 

تستند غالبية الزملاء الصحافيين الى مصادر ديبلوماسية للقول إن الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير خارجية أميركا جون كيري لموسكو والتي اجتمع خلالها بنظيره الروسي سيرغي لافروف أسفرت عن اتفاق يتعلّق بسوريا، وأنّه ساهم في إرساء صمت أميركي ثقيل حيال ما جرى من حصار للقسم الشرقي من مدينة حلب، وحيال ما قد يجري وهو احتلال الجزء المذكور وربما مبادرة المُحتلّين لاحقاً الى محاولة مدّ يدهم أو بالأحرى عسكرهم نحو جسر الشغور فإدلب. علماً أن المد المشار اليه سيكون محفوفاً بأخطار كثيرة. إذ أن تركيا، على رغم انشغال رئيسها أردوغان بالافادة من المحاولة الانقلابية الفاشلة المحاطة بعلامات استفهام وأسئلة كثيرة لم يجب عنها أحد حتى الآن لتطهيرها جيشاً وشرطة واستخبارات وقضاء وإعلاماً وجمعيات مالية ومصرفية وهيئات طلابية من الذين يعتبرهم أعداءه مثل الداعية الاسلامي فتح الله غولن و”حركة حزمت” التي أسّس منذ عقود، ومثل العلمانيين والمعارضين اجمالاً المنتظمين في أحزاب عريقة، إذ أن تركيا هذه لا تستطيع أن تقبل وصول الأسد وإيران الى حدودها. كما أن روسيا التي بدأت عملية المصالحة مع أردوغان لا تريد أن تضع نفسها وسط تجاذب إقليمي خطير وهي التي تحسب خطواتها جيداً تلافياً للوقوع في فخ استنزافي تعتقد أنه نُصِب لها أو تخشى أن يكون نُصِب لها.

هل المصادر الديبلوماسية لغالبية الزملاء المشار إليها في مطلع “الموقف” مُحقّة؟

أولاً هي لم تحدد اذا كانت المصادر التي استندت إليها لبنانية أو عربية أو أوروبية أو أميركية أو غربية أو قريبة من طهران. ومن شأن ذلك إثارة تساؤلات كثيرة عند القرّاء. وثانياً أرى ضرورة الخوض في العلاقة الروسية – الأميركية الآن وخصوصاً التي منها متعلقة بالأزمة – الحرب السورية لإطلاع هؤلاء على نظرة ثانية أو على معطيات أخرى مصادرها واضحة من دون أن أزعم أنها تمثّل الحقيقة المطلقة حول هذا الموضوع أو بالأحرى الكاملة. النظرة الثانية هذه يعطيها متابع أميركي جدي لسياسة بلاده حيال الشرق الأوسط الملتهب منذ “اندلاع” ما سمّي “الربيع العربي”، وتشاركه إياها مصادر ديبلوماسية غربية واسعة الاطلاع. وهي تشير الى أن علاقة كيري ولافروف جيدة وأنهما قادران على التفاهم. لكنها تؤكد أن أياً منهما لا يضع سياسة بلاده ولا حتى يصنعها. فهما ينفّذان وبدقة أوامر رئيسيهما وتوجيهاتهما. وتلفت الى أن العلاقة بين الأخيريْن أي أوباما وبوتين سيئة والى أنها سيئة أيضاً بين دولتيهما. وقد ازداد سوؤها بعد احتلال بوتين شبه جزيرة القرم ثم بعد تدخله المنفرد في سوريا من دون أن يأخذ في الاعتبار مصالح أميركا. ويتردّد كثيراً في واشنطن حالياً أن هذا السوء تفاقم بعد اتهام روسيا بالتدخل في حملة الانتخابات الرئاسية الاميركية، من خلال تسريب وثائق تؤذي المرشحة كلينتون وحزبها الديموقراطي حصلت عليها بالقرصنة الالكترونية.

والتفاقم بدأ يتحوّل توتّراً، بإضافة التطورات السورية إليه. وما تدرسه الإدارة في واشنطن حالياً هو هل توجّه رسمياً لبوتين اتهامات متنوّعة وعلانية، أو تسعى الى حلّ المشكلات بالحوار والديبلوماسية؟ وحتى الآن لم تقرّر جواباً عن هذا السؤال لأنها تخشى ربما أن يدفع الاتهام المباشر بوتين الى المزيد من المغامرة عسكرياً في سوريا أو أوكرانيا أو غيرهما. علماً، يؤكد المتابع نفسه والمصادر نفسها أن تسريب الوثائق المقرصنة حقّق عكس المُراد منه إذ أفاد كلينتون وأضرّ بترامب، الذي يراهن عليه بوتين لإضعاف أميركا وإدخالها حالاً من الانعزال عن العالم والفوضى الداخلية. في اختصار يؤكد هؤلاء أن ادارة أوباما لا تثق في أي شيء يقوله بوتين أو يعد به. فهو لم يكن “صادقاً” معها مرّات كثيرة في الموضوع السوري. وفهمت منه أنه يريد مساندة الأسد لكنه وعد في الوقت نفسه بالمساعدة لإنهاء حروبه بتسوية سياسية متفاوض عليها. وعملياً لم ينفّذ وعوده، وما جرى في حلب دليل إضافي على لاصدق التزامه. ذلك أن نجاح الأسد ما كان ليتحقّق لولا الطيران الحربي لبوتين.

لذلك كلّه يؤكد المتابع والمصادر أن إدارة أوباما وأميركا بعده ستتركان بوتين يغرق في المستنقع السوري. وهي متأكدة أن استعادة الأسد مُدناً مدمرة لن تعيد بناءها. ويؤكد أيضاً أن فوز كلينتون بالرئاسة وذلك مرجّح كثيراً سيدفع أميركا الى ردّ ضربات بوتين. فهي كانت الصقر الأساسي في إدارة أوباما يوم كانت وزيرة خارجية، وستبقى كذلك في البيت الأبيض. ولن يغيّر الموقف الأميركي السلبي حالياً من روسيا أي اتفاق يُحكى عنه أو يُحضّر لـِ”هدنة” في حلب. علماً أن الهدنات السابقة أضرّت بحلفاء موسكو كثيراً.

تابعنا على تويتر


Top