وأقبل رمضان!

حنين النقري – دوما
9

رغم أن الحصار لا يسمح لنملة بالدخول إلى المناطق المحررة، إلّا أنّه لا يملك السماء ونواميسها، ورغم أنه يمنع طعام رمضان من الدخول، إلا أنه لن يملك أن يمنع هلال رمضان من أن يهلّ كما كلّ عام..
ومع اقتراب هذه الثنائية الفريدة رمضان-الحصار، وﻷن رمضان في العرف العام هو شهر الطعام والشراب، والتفنن بالمأكولات ما لذ منها وطاب؛ فإنّ الكثير ممن يعيش في أماكن محاصرة ومحررة لا يستطيع تخيّل رمضان من دون ما اعتاد عليه من أطايب..
ولعلّ النقاش الأبرز على طاولات الحوار الحالية، هو غياب الخبز ومعظم المواد الأساسية الأخرى، غلاء الأسعار، حرّ الصيف من دون مكيّفات أو كهرباء تخفف منه، ومسلسلات رمضان الدرامية المغيّبة بغياب الكهرباء..
إلى هنا لا يبدو الوضع مختلفًا مع مجمل أيامنا في الغوطة الشرقيّة، لكن المختلف برأيي، هو حركة «الهجرة» -لا يصح أن نسميها نزوحًا- المرافقة لرمضان, نشهد اليوم العديد من الأشخاص ممن لا يستطيعون تخيّل رمضان مع هذه المشقّات.. الحرّ والجوع وغياب الطعام والكهرباء والاتصالات والقصف اليوميّ، فيختارون التوجّه لمناطق يكون فيها رمضان رمضانًا بحقّ -حسب تعبيرهم-، بشكل أكثر راحة ورفاهية ليتيح لهم التعبّد والخشوع أكثر وارتياد المساجد التي يشاؤون-حسب تعبيرهم أيضًا-..
ولعل السؤال المطروح هنا، عن ماهية الصوم الحقيقي، معنى رمضان الحقيقيّ، وأيهما أكثر أولوية في حال التعارض، البقاء والصمود، أم الشكليّات التي اعتدنا عليها برمضاناتنا الفائتة؟

إلى اليوم قد لا يعي البعض الدور الحقيقيّ لبقائه حيث هو، لتشبّثه بأرضه وبيته ومدينته، قد يكون بقاؤه مرغمًا بسبب الحواجز وصعوبة التنقّل من مكان ﻵخر، لكنّه -بالنسبة للكثيرين- ليس خيارهم، ولا بملك إرادتهم الحرّة..
لو لم يكن مجرّد البقاء حيث نحن جهادًا ما بعده جهاد، ولو لم يكن فيه ضرر بالغ للنظام، لما استمات الأخير في حصاره وتجويعه للغوطة الشرقيّة كاملة، مراهنًا على قدرتها على الصمود والتحمّل، وعلى قدرتنا على البقاء والتشبّث أكثر فأكثر..
لو لم تكن إرادة الحياة الموجودة في الشعب للتكيّف مع كل صعب، وتحويل كل محنة لمنحة، لو لم تكن هذه الإرادة أقوى من كلّ سلاح ضد النظام؛ لما بذل كل طريقة لكسرها وإذلالها، محاربًا إياها بالطعام والماء.
يتعلل البعض بالخروج من الغوطة إلى مناطق أكثر «راحة» وأمنًا، «لنستطيع صيام رمضان وعبادة الله كما ينبغي»
بربّكم، أيهما أولى، تثبيت الناس وإحياء الأمل والبقاء في قلوبهم، أم تثبيطهم وإحباطهم بخروجنا واحدًا إثر آخر، ﻷننا لن نتحمل الحر والجوع ورمضان، ولن نقوى على عبادة معهما..
وهل رمضان سوى تشارك معدة الفقير والغنيّ بذات الجوع والعطش، وهل هو سوى لفتة لنا، للمساواة الإنسانيّة بيننا كافّة، ليستشعر الغنيّ حال الفقير، ويشعر الفقير بتساويه مع الجميع؟

إن كان كذلك.. ربما يكون رمضاننا اليوم، هو أول رمضان حقيقيّ لنا جميعًا، هو الرمضان الأول الذي يتيح لنا أن نتساوى حقيقة لا بعدد ساعات الصيام فحسب، هو الرمضان الأول الذي سيجعل موائدنا متشابهة حدّ التطابق، تحوي الخضار الوحيدة الموجودة في البلد إن حوت، تحوي الخبز جميعها يوم توزيع الخبز، وتفتقده كلها حال فقده، وربّما.. كانت جميع أيام حصارنا رمضانًا رائعا قريبًا من الله.. دون أن ندري.
اليوم كلّنا في رباط، وكلنا اليوم في جهاد، ولا يصحّ برأيي أن نولي ثغورنا ظهورنا بأي حجة كانت، ولو كانت التقاوي لأجل العبادة..
فمن وجد في جسده ضعفًا، فالفطر له أولى من التولّي..
اسألوا أي عاقل بفقه الأولويات، يرخّص لمن يخشى على نفسه الهلاك بالفطر، ليثبت على هذا الثغر الواجب تقويته، لا إضعافه بحجّة العبادة.

تابعنا على تويتر


Top