صديقي يقاسمني همومي «من مذكرات معتقل»

عنب بلدي – العدد 74 – الأحد 21-7-2013

زارني اليوم في زنزانتي صديقي «عبد الله»، وعندما عانقني وقبّل وجنتي دمعت عيناي، لأنني أشعر بمحبته لي، ويذكّرني ذلك بالشهر الخامس من السنة الماضية عندما نقلوني إلى الفرقة الرابعة كان عبد الله أول من احتضنني، وقرّبني منه، وعالج بقايا المرض في جسمي، واعتنى بي وكأنني أخ له أو أكثر، كنت أمازحه بأن فضله (على رجلي) سيبقى في عنقي إلى الأبد، هذا بعد أن عالج لي البثور في رجلي، إذ مرت ذكريات جميلة عندما كان عبد الله معي، وهو من الأشخاص الذين خففوا عني ألم وعذاب السجن، ولكن كما العادة لم يدم الحال طويلًا، فسرعان ما تم نقله إلى فرع آخر، وها قد وصلني اليوم نبأ استشهاد أخيه –رحمه الله وتقبله فيمن عنده- ، ولكم أتمنى أن أكون جانب عبد الله في هذه اللحظات، فأخفف عنه ألم فراق أخيه.

أما صديقي «أحمد» فقد قال لي مرة: «عندما يحبك شخص ما، فإن حبه سيكون ظاهرًا في وجهه، كما وأنك ستشعر بذلك»، وهذا ما أحسّه مع أصدقائي خلف القضبان، كنا نتقاسم كل همومنا، ونتبادل ضحكاتنا وأمانينا وحتى همساتنا، كنت أقوم بتحفيظ أحمد سورة السجدة، وكم كنت أضحك عندما يصل إلى آية {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ} السجدة 18، فيقولها «أكمن كان مؤمنًا»…وأصحح يا أخي «أفمن كان مؤمنًا»..ويصرّ هو على «أكمن كان».. وباعتباري معلّم ناجح جدًا، فهو حتى اليوم ما زال عند نفس الآية وبنفس صياغته «أكمن كان»

أما صديقي «مصطفى» فقد كانت كلماته بلسمًا لآلامنا، يقرأ علينا ما تيسر له من آيات قرآنية، تخال نفسك أحيانًا وكأنك لأول مرة تسمع بها، لشدة مطابقتها لما تحس به، فإذا بك تجد ضالّتك التي  تبحث عنها، عندما تسمع مواعظ مصطفى، فقد علّمنا ألا ننسى القانون الإلهي {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَة ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} فصلت 34، وأن نحاول تطبيقه في مواقف تمر بنا، بل وعلّمنا أكثر من ذلك، بأن نعفي أنفسنا من عناء الحقد والكره والظن بالآخرين، الأمر الذي سيشيع السكينة والطمأنينة بداخلنا، فيشعرنا بالرضا عن ذواتنا، وحتى الآن ما زلت أحاول التمسك بـ  «التي هي أحسن» في محاولة مني للتصالح مع فكر أؤمن به وأعتقد بصحته.

وصديقي «وائل» متمسّك بعبارة «اليوم الذي يأتي أسوأ من الذي ذهب»، رغم كل محاولاتنا «الفاشلة» لتغيير وجهة نظره هذه، ودائمًا يفحمنا بوجهة نظره، فعقله –نعم عقله- لم يتأقلم حتى الآن مع دنيا زنزانتنا، وخاصة عندما تزامنت موجة الحر الشديد مع انقطاع الكهرباء، وكذلك الماء بين الفينة والأخرى، وتوقف شفاطات سحب الهواء عن العمل، وتعرض البعض لحالات اختناق، وآخرين وافتهم المنيّة في هذه الأجواء الخانقة، كل ذلك ضمن جو «الناموس» القاتل، ولك أن تتخيل وضع مهجع يسكنه 150شخص، والكهرباء «ملتعنة»… ونام  «إذا بتقدر تنام»… ويضاف إلى ذلك منعهم لنا من الحلاقة والاستحمام، لتعود كإنسان العصر الحجري، فيضاحكنا أحدهم بدعابات يجبر نفسه عليها، مختالًا بذاته أنه أدرك حتى عصور ما قبل الوجود -على حد تسميته لها-…
أما شاعر المهجع فهو صديقي «رامي» الذي يسمعنا كل يوم آخر ما توصلت إليه قريحته من شعر ونثر، يرثي بشتات كلماته حالنا أحيانًا، وأخرى يكتب لحبيبته أسمى آيات سمعتها في الحب، فتحفز كلماته كلماتنا، فإذا بنا نكتب وهو يضحك مختالًا أن «عدواه» انتقلت إلينا، ونضحك ونحمد الله أنه يشغل وقته بالكتابة، بدلًا من أن تراوده نفسه فيقرر الغناء… وما أصعبه من قرار على آذاننا المسكينة التي تترنح ألمًا من «نشاذ» صوته لا طربًا..

وعلى جدران زنزانتنا وكذا حواف قلوبنا كتبنا وبحبر الصداقة الحقّة:
صديقي من يقاسمني همومي        ويرمي بالعداوة من رماني
ويحفظني إذا ما غبت عنه        وأرجوه لنائبة الزمان

تابعنا على تويتر


Top