روحٌ معطلة، جسدٌ خاو

حنين النقرير – دوما
7

أن نختلف في نظرتنا للأمور وأسلوب فهمنا لها، أمر طبيعي تمامًا، لكن أن يغدو تركيزنا في الاختلاف على الأمور السطحية، وأن يصبح الجدل شريعتنا لا البحث عن الحق ولا التركيز على المقصد.. هنا يتجاوز الموضوع حدود المنطق والعقل..
اليوم غدت مجتمعاتنا ساحات سجال وجدال، بين مختلف الجماعات والتيارات، وبات كل اختلاف -مهما صغر- موضع نقاش ومناظرات ليبيّن كلّ طرف أنه هو الصواب لا سواه.. مواضيع كثيرة معظمها شرعيّ ديني فقهي، يحتمل من السّعة وتعدد الأوجه ما يجعل التركيز عليه بهذا الشكل السطحي أمرًا مقيتًا.
على سبيل المثال درج مع بداية رمضان أمر خلافيّ جديد -كان له أنصاره قبل الثورة ولكن بشكل سرّي- وهو الفطر قبل أذان المغرب بدقائق ﻷنّ القرآن لم يذكر أن موعد الإفطار هو الأذان، بل غروب الشمس، وﻷنّ سوريا تتأخر في أذان المغرب بشكل محقّق عن كلّ بلاد الشام سواها، وﻷن التبكير في الإفطار سنّة.. هكذا يقولون..
على الجانب المقابل نرى الفريق المعارض يكفّر ويكيل الاتهامات بشقّ الصف والتفرقة وبطلان الصيام والصلاة وغيرها..
وصل الأمر حدودًا غير معقولة من التكفير والمناظرات والتحديات والمواجهات، كلٌّ يدلي بدلوه ويستدلّ بحججه وبراهينه ويقسم أنّه الصواب المطلق، حتى بات السؤال الأول بين أي شخصين يلتقيان « شو ايمتا عم تفطر؟!»
وبرأيي، فإنّ الأمر سطحي أكثر من أن يتمّ مناظرته..
فقهي دينيّ، نعم.. لكنه سطحي!

أزعم أن الله سيسألنا عن معنى الصيام المعطّل بيننا قبل أن يسألنا عن عدد ساعات صيامنا.. سيسألنا عن كل ظلم شاع وانتشر، سيحاسبنا على الحقد والكراهية، على جوع الأطفال وبكائهم، على كل موازين العدالة الغائبة والتي كان المقصد من الصيام إرساءها.. قبل أن يسألنا عن إفطارنا بعد المغرب أو قبله.
ما الفائدة من زيادة أو نقصان عدد ساعات الصيام، إن كان الصيام عمليّا لا يؤتي أكله المطلوب، هذا إن كان صيامًا أساسًا.
فليفطر كلّ كما يشاء، وليصُم بالأسلوب الذي يعتقد أنّه الصواب، لكن الأهم ألّا يدّعي أن سواه خطأ.. أن يترك للناس حرّية ممارسة شعائرهم، أن تكون حماسته وبحثه ونقاشاته لتحقيق معنى الصيام، روح العبادات الضائعة، لا جدلًا عقيمًا سطحيًّا على دقائق قليلة -زادت أم نقصت- سيحاسبنا الله أن انشغلنا بها عن روح الصيام الحقيقيّة المغيّبة، وما كان أجدى بنا لو بحثنا عنها عند أرملة تستجدي رغيفًا، ومسكينًا افترش العراء، مظلوم ناء بظلم المجتمع، وأطفال حفاة عراة أضنى أجسادهم الجوع.. ما كان أجدى بنا لو بحثنا عن معنى الصيام عندهم، لا في كتب الفقه.
هذا مثال من أمثلة كثيرة تزداد كل يوم، وتزيد الهوّة بين العبادات وروحها، لا نستفيد من نقاشها سوى شقّ الصف وتوسيع الفجوة بين جماعات لم تتعلم أن تحترم «الإنسانيّة» الموجودة في كلّ منها وحقّ الاختلاف، أن تحترم «وحدة هدفها جميعها» قبل أي اختلاف أو خلاف، وسّعوه ليغدو شقاقًا وانشقاقًا..
ليس الأمر وليد اليوم، بل هو إرث من مؤسّسة دينيّة تقليدية شغلت الناس قرونًا عن واقعهم وعن جور سلاطينهم وعن تفشّي الفساد بينهم بأمور زعمت أنها الدين وما فيها من الدين سوى الاسم.
متى سنعمل عقولنا المعطّلة.. متى سنبحث عن روح الدين المعطّلة.. باسم الدين؟؟

تابعنا على تويتر


Top