أيها الإنسان: إعرف نفسك

عنب بلدي – العدد 74 – الأحد 21-7-2013
عتيق – حمص
8
«أيها الإنسان اعرف نفسك، بنفسك» صيحة سقراط الشهيرة، غاية الأنبياء والفلاسفة والحكماء والتنويريين، أن يعرف المرء ذاته هو، وأن يعيش وفقًا لهذا الإدراك، لما ينبع من داخله. ولا يمكن لأحد أن يعرّفك على نفسك، مهما قال من حولك بأنهم يعرفونك أكثر منك، إلا أن هذه المعرفة طالما أنها تأتي من الخارج ولم تنبع من الداخل فهي محض تصورات، قد تصدق وقد لا تصدق.
ورغم مشقة المهمة، إلا أن الخبر الجيّد أن كلّ منا بمقدوره أن يحقّق هذه المعرفة، ويصل لها، ويعيش وفقها، وبذا يحقّق الإنسان وجوده كإنسان فريد. {بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره}.

وفي هذا الصدد أحبّ أن أبدي الملاحظات التاليّة:
• أن ننتبه من أن نغرق في «الدور» الذي نلعبه في حيواتنا، أو أن نطابق بينه وبين «ذواتنا» ونعطيه زمام المبادرة والقياد.
فكلّ واحدٍ منا يلعب أدوارًا عدّة في حياته (أب، زوج، مدرّس، صديق، جار..)، لكنه هو ليس دوره، مع ذاك فكثيرًا ما نقع في وهم أننا مجموع أدوارنا التي نلعبها، أو دورًا ما بعينه، مما يسبّب الكثير من المشاكل النفسيّة، كالرجل الذي يعرّف نفسه على أنّه موظف، ما إن يتقاعد، حتى يدخل بحالة من الاكتئاب والشعور بانتهاء الدور (المتطابق على الذات).
كما أن وهم انطباق الدور على الذات، يضعف موقفها في مواجهة التحديات، فتغدوا الخسارة التجاريّة، أو الإخفاق الدراسيّ مثلًا، مدعاة للتقليل من قدرات الذات، والتفكير بسلبية تجاهها.
واحدةٌ من الأسباب التي تجعلنا نطابق – باللاوعي- ما بين الذات والدور الذي نلعبه: قلّة الأدوار (المهنيّة خاصّة) التي نؤدّيها في حيواتنا، فالفرد في مجتمعنا العربيّ ما إن يتخرج مهندسًا أو طبيبًا فيبدأ العمل في مهنته تلك، لتمرّ أيام حياته، وسنوات عمره، وهو على ذات المهنة، وذات الروتين، وذات التفاصيل، حتى يتوفاه الأجل، مما لا يجعل مفرًا من مطابقة ذاته مع دوره، نفس الكلام ينطبق على نجار الموبيليا أو السكافيّ، لا أحد يفكّر في لعب دور مهنيّ آخر، وتجريب باب رزق آخر، ولهذا أسباب لا مجال لذكرها هنا.

• يمكن «للدور» أيضًا أن يشكّل أثرًا سلبيًا تجاه الذات عندما نقع في شرك توقعاته الاجتماعية، فعندما يكون أحدهم معلّم صف، فهو يتحرك من موقعه هذا، ويتصرف مع الآخرين بما يُتوقع عادةً من معلم الصف أن يسلكه، وليس مما تمليه عليه ذاته هو بالضرورة، وعندما يكون الشخص تاجرًا، فهو يتحرّك انطلاقًا مما يحمله «لقب» التاجر من تصوراتٍ اجتماعيّة معينة، وبهذا فإننا نُعرض عن ذواتنا من هذا الباب في كثيرٍ من الأحيان، ولا نعيش كما هو حال «ذواتنا» بل كما يتوقع منّا الآخرون، بإيحاءٍ من الأدوار التي نلعبها.

• أن ننتبه أيضًا إلى أننا باستمرار، ومع الوقت، نذوب في الجماعة شئنا أم أبينا، وأنه لا بدّ من تشكيل وعيٍ مقاوم، وأن نتخذ سلوكيّات مقاومة، تحدّ من هذا الذوبان، ونحافظ بها على ذواتنا.
لقد ميز الله تعالى كلّ واحد منا بشخصيّة فريدة، وبمجموعة صفات لا تتكرر عند الآخرين، وما ذاك إلا لإثراء الحياة الإنسانيّة، وتحقيق التفرّد البشريّ الذي به يكون الإنسان خليفةً لله في الأرض، لكنّ الاجتماع اليوميّ، والعمل الجماعيّ، والهم المشترك، والاختلاط الزائد يذيب هذه الصفات، لصالح الاتفاق الجمعي، والتوالف مع الآخرين، بما يعرف بـ «الحالة الوسط».
مقاومة هذه الحالة تحتاج إلى جلساتٍ مستمرة من الخلوة والعزلة عن الآخرين، للتفكير بعيدًا عن ذواتهم، سلطاتهم، آرائهم، تأثيرهم، وبشكلٍ فردي { إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}
معرفة الذات، بالذات، قد تحتاج لسنواتٍ حتى تنضج، لكنها الخيار الوحيد لو أردنا التميّز.

تابعنا على تويتر


Top