الدُول السورية !

محمد رشدي شربجي
الأحداث القائمة في الدولة السورية فرّخت مجموعة من الدول، فنحن على أعتاب دولة للأكراد ودولة للعراق وأخرى للعلويين ورابعة للحر، لربما يحتاج المسافر من القامشلو إلى درعا لما يزيد عن عشر تأشيرات دخول في المستقبل القريب، ليس غريبًا ما يحصل للأسف وإن كان فاجعًا ومبكيًا في كارثيته، فسوريا ليست دولة تاريخية ذات حدود ذات تشكل تاريخي طبيعي، وإنما هي بحدودها الحالية «مصطنعة» والكلمة بين الهلالين هي من أدبيات حزب البعث العربي الحاكم الذي حارب الحدود المصطنعة نظريًا، ثم كرسها واستوحش بالدفاع عنها عمليًا.
يضاف على النشأة الخاطئة للحدود السورية ما فعله النظام السوري لتكريس هذه الحدود، فهو قد فخخ المجتمع السوري بمجموعات من الأفخاخ لكي تضمن له السيطرة والتحكم بمقاليد البلاد لفترة طويلة.
فلم يتعامل مع النظام السوري مع شعبه على أنهم سوريون، وإنما على أنهم مجموعات من الطوائف والإثنيات والقبائل والعشائر التي يتم التعامل معها وفقًا لهوياتها ما تحت الوطنية بغية ضمان ولائها أو ائتمان شرها، لم يتعامل يومًا بوطنية مع الشعب بل وحارب من يحاول تكريس الهوية الوطنية وأودعهم السجون بتهمة قلب نظام الحكم.
فهو النظام «العلوي» حامي الأقليات من تغول السنة! وحامي الأقليات العربية من تغول الكورد! وحامي الصوفية من تغول السلفية! و حامي الأخ من أخيه والزوجة من زوجها..!
المتتبع لتشكيل الحكومات السورية منذ زمن حافظ الأسد إلى الآن يجد فيها محاصصة طائفية واضحة من تحت الطاولة، وعليه نستطيع قياس طريقة تعاطي النظام مع مطالب «الشعوب» الموجودة لديه في «دولته»
فتارة يعطي العرب من أراضي الكورد بعد أن غمرت مياه سد الفرات أراضيهم، وتارة يأتي برئيس عشيرة ليس لديه أي مؤهل علمي ليعطيه منصبًا (وهميًا) في الدولة أو البرلمان والممارسات كثيرة في هذا المجال.
من ناحية أخرى ليس من المعقول إلقاء المسؤولية كاملة على النظام فيما يحدث وإن كان النظام يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية التاريخية والآنية عما آلت إليه الأمور في سوريا.
ولكن الثورة وإعلامها مسؤولون بدرجة ما أيضًا عن هذه الحالة المأساوية، فتعامي إعلام الثورة عن الأخطاء وتصويرها على أنها إفرازات للمرحلة، بل وتخوين من تكلم عليها وحاول تصحيحها وتسليط الضوء عليها، كل هذا جعل هذه الأخطاء تتغلغل في مفاصل الثورة حتى باتت هي المؤثر الأكبر في سير الثورة. ومن ثم تسييس المال والقبول بتنفيذ الأجندات، كل ذلك ساهم بتشتيت قوى الثورة الوطنية أمام القوى غير الوطنية التي جاءت لتطبيق أجندتها الخاصة كذلك.
يبدو أن الأمور باتت صعبة الإصلاح وإن لم تكن مستحيلة، والثورة للأسف لا يبدو أنها ستنتهي عما قريب، لذلك لا مجال أمام قوى الثورة الوطنية أن تتحد أمام أعدائها الكثر، لا مجال أمامها إلا تغليب الهم الوطني العام والثورة وأهدافها على المصالح الشخصية والحزبية والإقليمية.
الاستعانة بالشيطان لنحارب أحد أساتذته جعل الحرب كلها تدور على قطعة من أرض جهنم.

تابعنا على تويتر


Top