جيش سوريا الجديد بين حلم التحرير وأطماع بريطانيا

مروان فرزات

تشكل جيش سوريا الجديد في تشرين الأول عام 2015 من قبل جبهة الأصالة والتنمية ومجموعة منشقين عن جيش النظام السوري، غالبيتهم من أبناء محافظة دير الزور، استطاع هذا الجيش أن يحظى بالدعم الأمريكي والبريطاني كونه سيقاتل فقط تنظيم داعش دون أن يتطرق في بياناته لذكر النظام السوري.

وفي أول عملية عسكرية له استطاع جيش سوريا الجديد بالتعاون مع حلفائه السيطرة على معبر التنف الحدودي مع الأردن، بهجوم باغت قوات داعش التي كانت تسيطر على المعبر، وبعد تحريره اتخذ الجيش منه مقرًا لهم للانطلاق لتحرير صحارى جنوب دير الزور.

لكن سرعان ما تعرضت مقراته لضربات جوية من قبل الطيران الروسي بذريعة أن أمريكا لم تخبر الروس أنها تدعم هذا الفصيل، لتجبر أمريكا على زيادة التنسيق معها في سوريا، الأمر الذي اضطر واشنطن إلى تكثيف طلعاتها الجوية فوق مقرات جيش سوريا الجديد لحمايتها من أي طيران معادي، رافضة بذلك أي تنسيق مع الروس في ما يخص هذا الجيش.

يعتقد معظم المتابعين أن وجود الفصيل في المنطقة هو لحماية الحدود الأردنية من داعش فقط، لكن في الحقيقة أن هذا الأمر هو تفصيل صغير في ما يحاك لجيش سوريا الجديد وللمنطقة.

عودة الأطماع الإنكليزية للمنطقة

في زحمة الأطماع والمشاريع الدولية التي أنهكت الشمال السوري، بين قواعد أمريكية في الحسكة، وروسية في اللاذقية، وفرنسية في عين العرب، وتركيا الجارة الحذرة والمراقبة، ارتأت بريطانيا أن تبقى بعيدة عن هذه المنطقة المشتعلة واختارت نقطة التقاء الحدود السورية بالأردنية والعراقية، في منطقة التنف، كقاعدة صغيرة لها بجانب جيش سوريا الجديد، وهذا ما نشرته قناة BBC البريطانية، في 9 آب، في تقريرها الذي أظهر صور مدرعات وعربات وجنود بريطانيين في منطقة التنف جنوب شرق سوريا.

لماذا اختارت بريطانيا هذه المنطقة؟

تعتبر منطقة التنف بداية منطقة النفوذ البريطاني المتفق عليه مع فرنسا في اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، اليوم وبعد مضي مئة عام، وهي المدة الزمنية التي تنتهي بها هذه الاتفاقية، عادت تلك الدول لتفكر باتفاقية جديدة بينها لاقتسام تركة داعش، التي تشبه نوعًا ما تركة الرجل المريض، وهي الحالة التي تصف السلطنة العثمانية بعد خسارتها في الحرب العالمية الأولى.

لكن من الضروري قبل توقيع هذه الاتفاقيات بين الدول، أن تختار كل دولة مسبقًا المناطق التي ترتبط بمصالحها، وعلى أساسه تقوي الدول نفوذها في المنطقة المستهدفة.
وهذا ما أرادته بريطانيا من منطقة التنف، التي تفتح الطريق أمامها لمراكز نفوذها السابقة في بغداد والبصرة وكركوك والأردن وشبه الجزيرة العربية، والأهم من كل ذلك دير الزور التي احتلتها بريطانيا عام 1919، وضمتها للعراق وهي أول منطقة تسعى بريطانيا اليوم لبسط نفوذها عليها.

جيش سوريا الجديد والثورة العربية الكبرى

يستطيع أي قارئ جيد للتاريخ ومتابع للشأن السوري أن يرى التشابه بين الثورة العربية الكبرى وجيش سوريا الجديد، فبعد التقرير المصور الذي نشرته قناة BBC الإنكليزية عن وجود قوات خاصة بريطانية داخل الأراضي السورية، تدرب وتساعد المئات من عناصر الفصيل في صحارى قاحلة، تشبه تلك التي تمركز بها العرب سابقًا، لا يمكن إلا أن نتذكر الضباط الإنكليز الذين كانوا يجلسون بجانب الشريف حسين إبان الثورة العربية الكبرى، ومن منا لا يتذكر في هذه المناسبة لورانس العرب؟

كما أن قصف الطيران الروسي يشبه إلى درجة كبيرة قصف الطائرات الألمانية لمراكز تدريب قوات الشريف حسين.

أما فيما يخص معركة البوكمال، التي جرت منذ شهر تقريبًا، وخطط لها الأمريكان والإنكليز ونفذها جيش سوريا الجديد، بالاشتراك مع قوات مكافحة الإرهاب العراقية المدعومة، أيضًا من بريطانيا وأمريكا للسيطرة على مدينة البوكمال، عبر السير عشرات الكيلومترات في الصحارى للوصول للمدينة، لا يمكن إلا أن تذكرنا بمعركة تحرير العقبة التي خطط لها لورانس العرب وكانت بنفس الأسلوب، مستغلة هذه المرة شوق هؤلاء المقاتلين للعودة إلى ديارهم وأهلهم في دير الزور، لتحريرها من ظلم الاحتلال الداعشي.

هنا قد نتسائل ما أهمية البوكمال في المعركة؟

لهذه المنطقة أهمية كبيرة من حيث وجودها على الحدود السورية العراقية، والتي ما إن سيطرت عليها بريطانيا ستفتح المجال أمامها للتوسع شرقًا وغربًا لتعود وتضم محافظة دير الزور إلى العراق، مستغلة محاربة داعش من جهة وصلة القرابة التي تربط معظم عشائر دير الزور بالعراق من جهة أخرى.

أما على الطرف الآخر فتسعى أمريكا للسيطرة على مدينة الموصل عبر حلفائها هناك، والتي قد تعيد الموصل لسوريا عبر ربطها بدولة مستقلة تجمع الموصل بالرقة بمناطق سيطرة الأكراد، مستغلة إزالة الحدود التي قامت بها داعش للإبقاء على الحدود الحالية.

إن زمن الاحتلال المباشر انتهى وبدأنا اليوم نشهد نوعًا جديدًا، وهو الاحتلال الاقتصادي واحتلال الثروات، عبر قواعد عسكرية أجنبية تتوزع على طول الخارطة السورية وعرضها، كل منها يدعم فريقًا مسيطرًا على بقعة جغرافية معينة يقيم له دولة فيها، ويعطيه الغطاء والشرعية، مقابل هيمنة اقتصادية على دولته الوليدة وهذا هو “التقسيم”، التي يتحدث عنه المجتمع الدولي عنه في المنطقة، ولن تكون سوريا والعراق إلا بداية هذا المشروع الممتد من أفغانستان شرقًا حتى المغرب العربي غربًا.

في الختام، لا يمكن أن نشكك أبدًا بثورية ووطنية جيش سوريا الجديد، الذي قاتل عناصره النظام السوري منذ 5 سنوات في دير الزور، لكن يجب عليهم أن يكونوا حذرين بالتعامل مع حلفائهم وأن يقرأوا التاريخ جيدًا ويتعلموا من أخطاء العرب في الثورة العربية الكبرى، التي تشبه إلى حد كبير أحلامهم في العودة إلى وطنهم دير الزور كي لا يقعوا في فخ سايكس بيكو جديدة في المنطقة.

تابعنا على تويتر


Top