لِمَن تُفتح أبواب حلب؟

فاديا فهد – الحياة 

كلّ أمم الأرض اجتمعت لتتقاتل في حلب. كُلّ شياطين الموت حاضرة في أكبر مدن بلاد الشام، وأقدمها، وأعرقها. تعزيزات تضمّ المئات من السوريين وحاملي الجنسيات العربية والآسيوية والإيرانية بكامل عتادها وصلت إلى «حلب الشهباء»، استعداداً للمعركة الفصل في الحرب السورية. معركة من شأنها أن تقلب طاولة مفاوضات جنيف المقبلة على الطرف الخاسر، وتغيّر مسار الحرب الممتدّة منذ أكثر من خمس سنوات، وإلى أَجَل غير مسمّى.

حلب التاريخ، أقدم المدن المأهولة في العالم، ثالث دولة في الإمبراطورية العثمانية بعد إسطنبول والقاهرة، آخر مدينة في طريق الحرير، نقطة لقاء استراتيجية لبلاد ما بين النهرين (العراق وسورية وتركيا) بالبحر الأبيض المتوسط، وعاصمة سورية الاقتصادية والتجارية والزراعية. مصيرها اليوم يحدّده محاربون ومقاتلون همجيّون متوحّشون، لا يعرفون شيئاً عن هيبة تاريخها وعظمته. هؤلاء استباحوا قلعتها الجليلة ومعالمها الأثرية وجعلوها حصوناً لهم، ونهبوا مصانعها وحوّلوها ثكنات حربية، وقتلوا أهلها واستخدموا مَن بقي صامداً منهم دروعاً بشرية.

الحرب لا تَرحم التاريخ، ولا البشر. كذلك المخططات الدولية. كأننا أمام فصل جديد من فصول المؤامرة الأبدية لِخَفْت ألق المدينة المشعّة. الفصل الأول كان عام 1920، عندما سُلخت عن حلب أجزاؤها الشمالية، وضُمّت إلى تركيا بعد اتفاق بين أتاتورك والانتداب الفرنسي. يومها خسرت حلب انفتاحها التجاري على أقاليم عدّة كعنتاب ومرعش وأضنة ومرسين، كما خسرت سككها الحديدية التي تصلها بالموصل. تتالت الفصول، وأدى الفصل بين العراق وسورية ضمن ما يُعرف باتفاقية سايكس بيكو، إلى تدهور كبير في اقتصاد حلب. وعام 1940، خسرت حلب منفذها الرئيسي على البحر الأبيض المتوسط في الإسكندرونة، ومعه الكثير من دورها الإستراتيجي.

معركة حلب نار وبارود ومقابر مفتوحة. تؤكد مصادر عسكرية أن الطرفين سيتبعان فيها سياسة الأرض المحروقة: حلب لي، أو لن تكون لغيري! مع ذلك فإن نتائج المعركة الميدانية والسياسية غير محسومة. حدود الدول التي ستتشكّل على أنقاض دولة سورية اليوم، ليست نهائية حتى الساعة. يقول المراقبون الديبلوماسيون إن حلب تُكمل امتداد الدولة العلوية العتيدة في التقسيم الجديد، من دمشق إلى حماة وحمص واللاذقية وطرطوس. وهي أيضاً المدينة – الرمز السنّي التي لن تتنازل عنها أية دولة إسلامية قد تقوم في الشمال السوري وتشمل ريفَي حلب وحمص وغيرهما، والمتاخمة لدولة داعش والتي تتلقى الدعم العسكري والاقتصادي منها. ولا ننسى دور تركيا في حسم المعركة لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. فالطرف التركيّ مدرك لأهمية ورقة حلب، التي يمسك بها لجهة الدعم اللوجستي للمعركة. وسيناوِر حتى آخر لحظة، قبل أن يسلّمها بأغلى الأسعار الديبلوماسية، بما يتوافق ومصالحه الداخلية.

المعركة جهنّميّة، ومفتوحة على كلّ الاحتمالات. أسوار منيعة أحاطت بالمدينة التاريخية وصدّت هجمات غزاتها على مرّ العصور. وفي الأسوار، أبواب تسعة كانت منفذ أهل حلب إلى العالم الخارجي. بَقي منها خمسة في المدينة القديمة. السؤال المصيري في حرب سورية: لِمن تُفتح أبوابُ حلب؟

تابعنا على تويتر


Top