لحظات حب عابرة بين الجلاد والضحية

441.png

جودي سلام
كثيرة هي القصص التي رواها معتقلو الثورة عن قسوة المعاملة التي تلقوها في معتقلات النظام السوري والتي وصلت حد التعذيب حتى الموت، ولا يكاد بيت دخلت إليه الثورة إلا ويحمل في ذاكرته اليومية العشرات من قصص الرعب والإجرام التي سرت على أجساد الشباب الذين دخلوا سجون النظام على أيدي سجانيهم.
لكن عبير التي خرجت قبل أشهر من المعتقل تحدثت إلينا بقصة مختلفة تمامًا، فهي لم تتعرض للتعذيب والإهانة، ولم يكن سجانها يذيقها العذاب اليومي الذي أذاقه لغيرها، بل غدا عشيقها الذي أذاقها لوعة حبها له وجعل من زنزانتها ساحة أحلام عاشتها برفقته ولأجله.
هذا ما حصل بالفعل مع عبير في فرع المخابرات الجوية.
تخبرنا عبير: «كانت حقًا قصة حب بريئة ورائعة وقد خففت علي الكثير من الآلام في ظلمات السجون».
بدأت قصة عبير مع السجان «علي» عندما وضعت بالمنفردة في بداية اعتقالها لمدة شهر كامل لرفضها الخروج على قناة الدنيا، فلم تجد مؤنسًا لها في وحدتها غير سجانها الذي كان يفتح عليها الباب يوميًا، ويحاول مواساتها وإضحاكها وممازحتها أحيانًا، بالرغم من أنها كانت ممنوعة من الكلام مع أي سجان، لكن علي كان يضع نفسه تحت خطر المساءلة من أجلها.
تقول عبير إن ممازحات السجان (علي) لم تكن بغرض التسلية أو التحرش -بحكم حسنها وجمالها- فهي لم تلق منه إلا كل احترام وود ومحبة، حتى وصل الأمر بباقي المعتقلات أن تملكتهم مشاعر الغيرة منها، لشدة اهتمامه بها، رغم وجود من هن أصغر وأجمل منها في المعتقل.
لم يتوقف الأمر بين عبير وعلي عند الممازحات ومحاولات المواساة، فعلي الذي تغيب عن السجن لعشرة أيام ولّد عندها إحساسًا كبيرًا بفقده، جعلها تسأل بقية السجانين عنه طيلة فترة غيابه دون أن يعطوها جوابًا يشفي اشتياقها له، والذي بدا واضحًا بالنسبة لهم، حتى جاء اليوم الحادي عشر بخبر رد إليها حياتها ونبض قلبها على لسان أحد السجانين «إلك عندي مفاجأة»، فوقفت تنظر من الفتحة الصغيرة في الباب لتجد علي مقبلًا ليطمئن عليها بعد وعكة صحية أصابته في فترة غيابه، فصار الفرح يتطاير من عينيها وهو يكلمها ويسأل عن وضعها، لقد كان السجانون يلاحظون هذه العلاقة ويتكتمون عليها خشية العقاب.
يختلف علي عن بقية السجانين في الفرع، فتعامله مع الشباب المعتقلين كان «رحيمًا» وكان ينأى بنفسه عن ضربهم كما تقول عبير، وهو ما زاد حبه في قلبها.
تقول عبير: «سألته مرة عن سبب تصرفات النظام المجرم، فقال بأنه يدافع عن نفسه وأهله ضد الطائفيين المسلحين الذين قدموا لإبادتهم وقتلهم»، كان جوابه كفيلًا بصدمها وإسكاتها للحظة، لكنه نظر إليها مبتسمًا وقال: «فترة صعبة تمر علينا جميعًا ونتمنى أن تنتهي بسرعة».
كانت عبير تشعر دائمًا بالضيق والحيرة من هذه العلاقة، وخصوصًا عندما تفكر بما يحدث خارج جدران زنزانتها، وتتذكر ما يتعرض له أهلها المشردون وغيرهم من السوريين المعذبين، كان شعور الخيانة يصارعها، خيانة الثورة والطائفة التي تنتمي إليها، فعبير من الطائفة السنية وسجانها علي من الطائفة العلوية، ومع ذلك قالت أنها ستدافع عنه إن وقع بأيدي الجيش الحر ولن تسمح لأحد بإيذائه.

تقول عبير بأنها باحت بمشاعرها لعلي، قالت له: «أتمنى أن أمتلك بساطًا سحريا ونذهب سوية إلى عالم بعيد حيث لا موت ولا دمار لنعيش معا بسعادة وهناء»، فضحك وبدت علامات السعادة في عينيه، تضيف عبير: «كان يطلب مني دومًا كلما رآني أصلي أن أدعو له، فأدعو له بالانشقاق عن النظام».
جاء أمر الإفراج عن عبير قبل أن تكتمل القصة، ليقع علي في حزن شديد بدا واضحًا على وجهه وهو يراقبها كيف توضب أغراضها للرحيل، أما عبير فعاشت لحظات صراع جديدة بداخلها، بين فرحها بحريتها وبين حزنها لمفارقة علي الذي احتل قلبها طيلة فترة وجودها في المعتقل.. ظل علي واقفًا إلى جانبها حتى خرجت من الفرع، ودعها وطلب منها ألا تنساه.
علاقة بريئة نشأت في ظروف غير طبيعية بين فتاة ثائرة من طائفة، وسجان يعمل لدى المخابرات الجوية من طائفة أخرى، لتثبت ربما هشاشة حالة العداء التي بناها نظام الأسد بين أبناء البلد الواحد طيلة عقود.
قبل أن تخرج عبير من زنزانتها نقشت على جدارها: «عمرك اسمعت بطير يحب سجانه» ثم كتبت اسم علي بجانب اسمها.

تابعنا على تويتر


Top