حواراتنا، والاتجاه المعاكس

8حنين النقري – دوما

إذا أتيح ﻷي منّا حضور نقاش ما -دون المشاركة فيه- أيّ نقاش، بين أيّ اثنين؛ فغالبًا سيلفت نظره مدى تشابه هذا النقاش بحلقة من حلقات برنامج الاتجاه المعاكس!
إذ رغم شعبيّة الأخير على مدار سنوات عرضه، فهو لا يزال يمثّل النموذج الحيّ لطبيعة «الحوار» والنقاش» في مجتمعاتنا العربيّة بشكل عام..
ما الحوار لدينا إلا حالة من حالات تفريغ الانفعالات تجاه فكرة ما، لا مناقشة هذه الفكرة والبحث حولها، والمسيّر للحوار في هذه الحالة هو العاطفة والانفعال، لا العقل والمنطق..
لن تشعر هنا بأن الطرفين يملكان أفكارا يوضحانها، بل هو معتقد يتم الدفاع عنه بكل ما أوتي المرء من صراخ وصوت عال، مستخدمًا ما بجعبته من كلمات مهيّجة، وألفاظ انفعالية، وشتائم وسباب عند الضرورة -الموجودة دوما-، تمامًا كما في الاتجاه المعاكس.
أحد السمات الأخرى لحواراتنا هي الشخصنة، غالبًا ما نقوم بمناقشة بعضنا بعضا في الحوارات، لا مناقشة أفكار بعض!
بمجرد أن تطرح فكرة ما مخالفة للسائد، سيبدأ الجميع بالوقوف ضدك كشخص- لا ضد فكرتك، ستكون أنت من توضع في الميزان، حسناتك سيئاتك صلاتك مظهرك دراستك عمرك نسبك مالك.. كل هذا سيشارك في تقييمك وبالتالي في الطعن بك لا بفكرتك، فبدل أن أقول أن فكرتك مجانبة للصواب برأيي وأذكر ما بجعبتي من أدلّة وبراهين منطقية، من الأسهل أن أقول: أنت شخص لا تجيد الكلام في هذه الأمور، تتعدى على تخصصك، وأبدأ بكيل الاتهامات لشخصك -وهذا يتيح لي الخروج من مأزق المناقشة الفكرية، وهو أكثر تشتيتًا لسامعي النقاش وأسهل بكسبهم لصفّي-

وبما أننا نناقش الأشخاص لا الأفكار، فلا يمكن بحال من الأحوال أن نقبل فكرة لا ندري قائلها، إذ إنّ صحة الفكرة لدينا مرتبطة بقائلها لا بمضمونها، فإذا طرحت فكرة ما، فإن وقعها سيكون مختلفًا فيما لو قدّمتها بمفردها، أو أسبقتها بقولك «يقول الشيخ الفلاني.. يقول العلّامة فلان..» وسيكون القبول من نصيبها حتمًا إن كان صاحبها ممن لهم التقديس والتبجيل لدى محاورك، بغض النظر عن مضمونها ومدى موافقتها لما يقول.
إحدى السمات -لا المزايا- الأخرى عندنا، هو الجدال لأجل الجدال، فلا أنا مستعدّة للتخلي عن فكرتي، أو القبول بوجود هامش خطأ فيها، ولا أنت مستعد لتبديل قناعاتك إن لاح لك جانب حقّ في كلامي، ﻷننا -كلينا- نجادل ليثبت كل منا أنه الصواب، لا لنبحث كلانا عن الصواب ولو كان خارج أفكارنا، لهذا تغدو نقاشاتنا ساحة حرب يشهر فيها كلّ اسلحته، ويستميت في الدفاع عن معسكره -فكرته، يرغي ويزبد، يهوج ويموج، ولربما حوّلت عاطفته هذه حقّه باطلًا لسوء عرضه له..
ونتيجة لهذه السمات العاطفية، غير المنطقية والعقلانية التي تتسم حواراتنا بمجملها بها، فإنّه من المنطقي أن تكون الشائعات والقيل والقال أحد أهم مصادر معلوماتنا، ومن المنطقي أيضًا ألّا يُناقَش الأبُ والمعلمُ والمدير والشيخ ومن شابههم، ﻷنّ الحقّ ما جرى على ألسنتهم ولو كان باطلًا، وﻷن من ينقد فكرة في عرفنا ينتقد صاحبها ويعاديه، ومن ذا الذي يعادي أبًا أو معلمًا أو شيخًا أو مديرًا.
هذه بعض مظاهر حواراتنا وسهراتنا، يشترك في هذا معظم الناس بمختلف أعمارهم وشرائحهم.. من العامل البسيط للأستاذ الجامعي، فمتى سنعمل عقلنا في نقاشاتنا وحواراتنا، ليغدو إعمال العقل سنّة في سائر أمور حياتنا..
وهل سيأتي يوم نتناقش فيه برويّة وهدوء وعقلانية، وتبقى في نهاية الجلسة مساحة لابتسامة ودّ وفنجان قهوة نتشاركه معًا..
لا كأس ماء يسكبه أحدنا على الآخر تشفّيا وانتقاما؟!

تابعنا على تويتر


Top