الأجوبة الدينية التقليدية – غاية الخلق نموذجًا

عنب بلدي – العدد 75 – الأحد 28-7-2013
9
عتيق – حمص
توجّه ثقافتنا الدينيّة المتوارثة عبر خطاباتها المختلفة على المنابر، وفي الدروس، وبين طيات الكتب، توجّه أنظار الفرد وهمّه إلى مفردات مثل: رضا الله، الثواب، الأجر، الجنّة (وما يقابلها أيضًا من مفردات، العقاب، السيئات، النار، سخط الله).
فيغدو الفرد مخلوقًا لأجل إرضاء الله ودخول الجنّة، عن طريق كسب الحسنات، والمزيد من الحسنات، وهذا الفهم ينعكس على كلّ تصرفاتنا وسلوكياتنا، ويعطّل فاعليتها للأسف.
فقراءة القرآن وفق هذا الفهم تصبح لكسب الحسنات لا لكسب القيم.
وأداء الصلاة يكون لذات الهدف، وليس لتحسين السلوك اليوميّ للمسلم (ترجمة القيم لسلوك).
ومن هنا يأتي معنى الإخلاص بالفهم العجائبيّ التقليديّ، الذي يعني الانخراط بالأعمال (الدينيّة والدنيويّة – باعتبار أن الفهم التقليديّ يحدث هذا التمييز، ويحبّه) دون أن تشوب نيتك (الهادفة إلى رضا الله ودخول الجنّة) أيّة شوائب، والعمل المستمر على تخليص نيتك من هذه الشوائب، لتكون مخلصًا لله، وليكون عملك خالصًا لوجهه.
فهل خلق الإنسان لتحصيل الأجر لدخول الجنّة؟
لا، لم يخلق الإنسان للجنّة بل للأرض، لقد أخبرنا الله بذلك، قبل أن يخلق آدم، وقبل أن يكون هناك أنبياء، وقبل أن يكون هناك أديان، أخبرنا بالهدف الذي من أجله سيأتيّ كل شيء آخر لاحقًا: إنيّ جاعلٌ في «الأرض» خليفة.
كل شيء آخر من أنبياء وكتب وأديان ونصوص جاءت لتساعد الإنسان في حياته على الأرض.

الثواب والأجر والجنة تحصيل حاصل، ليست هي الهدف الذي من أجله خلقنا، بل هي المكافأة النهائيّة. الذي يعيش لأجل الجنّة، كالذي يدرس في المدرسة لأجل الامتحان الأخير.
هذا الطالب لن يتعلّم شيئًا من كل ما يقرأه فكلّ همه أن ينجح في الامتحان الأخير، هكذا تتخرج أجيالنا عن طريق حفظ أسئلة الدورات والنجاح فيها، مما لا يورث علمًا ولا عملًا.
وهكذا تمضي أيامنا على الأرض بهامشيّة حضاريّة، نعيش فيها «كعابري سبيل» بالمعنى السلبي لهذا الفهم، المهم أن نحصّل الحسّنات لندخل الجنّة.
وماذا عن العبادة؟ أليست هي غايتنا من الخلق بقول القرآن؟
قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ، ليست الجواب بل السؤال، الذي سيفتح آفاقًا واسعة من الأسئلة: فما هي هذه العبادة؟ وإلى مَن تعود بالنفع؟ وما هدفها؟ وهل هي الغاية النهائيّة؟
فالله تعالى يقول: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، ويتكرّر هدف التقوى في مواضع كثيرة، منها: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون.
وهذا بدوره يفتح الباب للسؤال التالي: ما هي التقوى؟ وهل هي الغاية النهائيّة؟
فإذا بحثنا عن التقوى وجدنا أنها واحدة من الأخلاق الفاضلة في التعامل مع الآخرين (كفّ الأذى + الإحسان)، وهنا نصبح أمام واحدة من الغايات التي طالبنا بها الله عزّ وجل، من وراء العبادات، وهي أن نكون أخلاقيين في حياتنا، وفي تعاملنا مع الآخرين مع مختلف مشاربهم /أديانهم / أجناسهم.
بعبارة أخرى، إن الهدف من العبادات هو تحسين نوعيّة الحياة على الأرض، برفع نوعيّة الأخلاق المُعاشة، لا ضمان حياة على الجنّة.
هذا الكلام لا ينفي بالتأكيد وجود مفاهيم الحسنات والسيئات والجنّة والنار، لكن هذه المفاهيم تأتي في سياق تحسين السلوك على الأرض، وكتحصيل حاصل لمسيرة حياة ممتلئة بالعمل.
من هنا يبدو أننا بحاجة لتجديد في الكثير من المفاهيم، على رأسها الغاية من الخلق.

تابعنا على تويتر


Top