عن عمران وتلك الصور النظيفة

بيسان الشيخ – الحياة 

تتراوح الخيارات المتاحة أمام السوريين بين مصير الطفل الحلبي عمران، الذي نجا بأعجوبة (حرفياً) من قصف النظام السوري وحليفه الروسي المركز على أحياء المدينة، والطفل الكردي إيلان الذي قضى على شاطئ تركي فيما عائلته تحاول الهرب من جحيم «داعش». ذلك الخيار الصعب لخصه رسم «كاريكاتور» انتشر فور شيوع صورة الطفل الواقع تحت هول الصدمة: البقاء يعني عمران، والرحيل يعني إيلان.

والحال ان صورة عمران فعلت بالأمس تماماً ما سبق لصورة إيلان ان فعلته قبل عام. استنفار على مواقع التواصل الاجتماعي، جلد للذات واعتذارات بالجملة عن الفشل في حماية الطفولة، عناوين رنانة في وسائل الإعلام المحلية والعالمية، تتمحور في غالبيتها حول الخزي والعار اللذين لطخا جبين الإنسانية، مذيعات نشرات اخبار يجهشن بالبكاء تأثراً، وصولاً الى محاولات «فنية» رديئة لمنح الألم جرعة اضافية.

ومرة أخرى، تثبت صورة ذلك الطفل المذهول في سيارة الإسعاف، اليقين الدامغ ان ما يترك أثراً في المتلقي الغربي، لم يتغير منذ خمس سنوات حتى اليوم، وأن انتظاراتنا نحن في المقابل لم تتغير أيضاً. فهو لا يزال يبحث عن صورة صادمة بنظافتها، ونحن لا زلنا نعول على لحظات عاطفية وإنسانية كهذه لنجذبه إلى طرفنا. أما صناعة القرار العسكري والسياسي ففي واد آخر تماماً.

وإلى ذلك فإن المتلقي الذي تحاول «سورية – الضحية» مخاطبته مراراً وتكراراً، وتتعالى عليه وتكابر حين يتجاهلها، ثم يغمرها الامتنان حين يبدي تعاطفاً، لا يريد ان يرى دماً وأشلاء وجثثاً خصوصاً أذا شوّهها التعذيب. ذلك الآخر يريد صورة نظيفة هادئة، لا عويل فيها ولا صخب. صورة يريحه عجزه حيالها، ويريحنا انه عاجز مثلنا وقادر على ذرف الدموع. طفل مستلق على شاطئ يبدو نائماً، وآخر خارج من تحت الأنقاض، خطفت الصدمة صوته.

ولكن من أين نأتي بتلك الصور لنبقي الآخر متورطاً بقضيتنا ومعنياً بها فيما عمران، كما إيلان من قبله، استثناء في المشهد السوري، لا قاعدة؟

فالقاعدة على ما بتنا نعلم هي كل ما لا يريد أحد ان يراه أو يقر به. القاعدة هي صور سيزار التي تسربت من مصانع التعذيب الممنهج وعرضت في مبنى الأمم المتحدة ولم تحرك ساكناً، وهي التقرير الأخير لـ «منظمة العفو الدولية» الذي وثق كيف يعمل نظام على نزع القيم البشرية عن اعضائه قبل أعدائه، وقبل ذلك شهادات وثقتها «هيومن رايتس ووتش» لأطفال عادوا الى ذويهم مقطعين او لم يعودوا أصلا… وهي الى ذلك اشلاء تناثرت فوق اسطح المنازل وفي الأزقة، وحالات مجاعة واختناق وغرق. تلك هي يوميات «سورية – الضحية» التي يطلب منها تقديم صورة تحدث أثراً من دون ان تقزز او ترعب المتلقي، فيما الواقع مغاير تماماً. الواقع يقول ان «سورية – الجلاد» تحظى بعفو دولي ودعم مؤسساتي يتيح لها ارتكاب كل ما سبق وأكثر والإفلات من العقاب تحت التهديد ببعبع «داعش».

والمعضلة في المقارنة بين صورتي عمران وإيلان، ليس انها تنكأ الجراح فحسب، وتعيد أي نقاش حول سورية الى خانة البداية، ومتلازمة «الخير والشر» المطلقين، بل في ان ذلك الخيار المستحيل هو مصير السوريين كلهم وليس الأطفال منهم فحسب. فمن يريد ان يرى في حالة عمران مجرد «انتهاك للطفولة» (وهي كذلك بلا شك)، فهو يختار ان يعمي عينيه عن واقع شعب كامل فرض عليه ان يختار بين الموت تحت حكم «البعث»/ «داعش»، او الموت متعلقاً بحلم.

تحويل صورة عمران وإيلان وغيرهما الى «حالات انسانية» محضة ينزع عن القضية السورية أحقيتها السياسية، ويحيلها الى مصاف الكوارث الطبيعية أو الأزمات الإغاثية التي تعفي المجتمع الدولي ومؤسساته من مسؤولياته حيالها، وتتيح له الاكتفاء بدور الإطفائي هنا، والمسعف هناك.

صحيح ان التدخل الخارجي كان مرفوضاً في مرحلة ما، وأن الولايات المتحدة اعتمدت سياسة النأي بالنفس عسكرياً في بلدان الشرق الأوسط في عهد الإدارة الحالية رداً على فشل تجربتي العراق وأفغانستان. لكن لا شك في ان هناك قنوات لممارسة الضغط السياسي على عرابي نظام الأسد، روسيا وإيران في ملف القرم وأوكرانيا كما في الملف النووي، لو ان بعض النيّات كانت موجودة. لا شك في أن هناك «فيتو» روسياً يمنع إحالة الأسد على محكمة دولية ويحميه من المحاسبة، يحظى بقبول دولي ولا يحكمه فقط إذعان الدول الأعضاء لقوانين عمل واحترامهم لها. أوراق كثيرة لم يتم استخدامها حماية لمنظومة أممية وحفظاً لماء وجهها ان لم تكن لحماية شعب كل ذنبه انه خرج يطلب حقه في الحرية والعيش الكريم.

بالأمس نجا عمران. لكننا لا نعرف ان كان سينجو غداً من جولة قصف مقبلة. فعدا إحراق المراكب التي قد تحمله الى شاطئ أمان ما، ليغدو مشكلة أوروبية لا شرق أوسطية، لا بوادر لقرارات سياسية تحميه داخل سورية من ان يتحول قريباً لصورة لا يرغب في مشاهدتها أحد.

تابعنا على تويتر


Top