الإسلام .. تأطير في الشكل أم عمق في الجوهر؟

عنب بلدي – العدد 76 – الأحد 4-8-2013
د. إحسان الحسين
2
الشكل والرسم هو ما يرجح على المصلحة والجدوى والأولوية في آلية تفكيرنا، علمًا بأن الشريعة وتطبيقاتها تقول غير ذلك، فالحلول التي قدمت لفك التعارض بين المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية وأبحاث الضرورات وتفعيلاتها الفردية والمجتمعية وقواعد المفاضلة بين المصالح، وقواعد قبول الأعمال ترسّخ الانحياز للجوهر والضرورة والحاجة، أما الجدوى فهي محصلة الحسنات الدنيوية والأخروية للعمل والتي تنعكس في ميزان الحساب بقيمة رقمية، وكلما احتوى العمل قيمة اجتماعية أكثر وإخلاصًا أنقى، كلما كانت تضاعيف جدواه كقيمة حسابية (حسنات) أكبر، عن أبي هريرة (ض) عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). – وعن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر (ض) قال»قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (إن اللَّه تعالى لا ينظر إِلَى أجسامكم ولا إِلَى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»، وقال رَسُول اللَّهِ (ص): «ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
سيدنا يوسف عليه السلام قام بعمل مكّنه من أن يحتفظ بأخيه بطريقة قانونية، وفي غزوة حنين أعطى النبي (ص) صفوان بن أمية من النعم مئة ثم مئة ثم مئة حتى قال: «أعطاني ما أعطاني وإنه لأبغض الخلق إلي فمازال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إلي»، وحين عاد إلى قومه قال لهم: «أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى فاقة». في صلح الحديبية وافق الرسول (ص) على شروط تبدو مجحفة بحق المسلمين، ولم تعجب الصحابة، بل بدا على بعضهم الرفض، الرسول لم يكتف بذلك بل وافق على اعتراض الوفد المفاوض على تغيير عبارة محمد «رسول الله»، فأصبحت محمد «بن عبد الله»، لقد تنازل عن وصفه بالنبي لقاء إمضاء المعاهدة التي كان يأمل منها الخير الكثير للدعوة، وهذا ما حدث فعلًا.

آليات التفكير التي نمارسها لم تتمكن بعد من تجاوز مشكلة الأولويات، وما هو شرعي بحت لا خلاف فيه، أو مختلف عليه أو مباح حتى في أنماط العيش، ولازلنا نصرّ على النموذج الواحد والشكل الواحد، علمًا بأن منظومة الفكر عندنا تقوم على الشرع والعقل والسير في الأرض، وأن الشرع ليس فهمًا حادًا أو لونًا واحدًا إلا في مساحات محدودة، وما تبقى يقوم على التنوع والخصوبة في الممارسة. يمكن للبعض إلغاء تجربة تركيا الإسلامية لمجرد مصافحة رئيس وزرائها لمسؤولة أوروبية، وكذلك يمكن رفض مشاهدة قناة تلفزيونية جيدة إسلاميًا وسياسيًا لمجرد وجود برامج تقدمها مذيعة غير محجبة، كما يمكن التخلي عن برنامج إعلامي ناجح فنيًا وإسلاميًا (خواطر مثلًا) لوجود الموسيقا المرافقة.  والكثير منا إذا خُيّر بين الحج للمرة الخامسة وبين التصدق بقيمتها لتأسيس مهنة لعاطل عن العمل اختار الحج. عقلنا يختار العمل الديني الذي يضمن له الشكل ليتمكن من توظيفه بشكل شخصي، بينما يؤكد الدين على أن الله لا يقبل إلا ما كان صالحًا وخالصًا، وأن القيمة تكون أعلى كلما كان النفع أعم اجتماعيًا. الغلاف يضمن لنا الأضواء والتسويق والتوظيف حتى لو كان ذلك على حساب النية أو القيمة.

يجب أن نفهم أن المسلم في مجتمعه ليس قطعة صابون من ملايين النسخ المتماثلة، بل هو فرد متنوع يتنقل بين شرائحه الثلاث، السابق والمقتصد والظالم لنفسه، بكل تمظهراتها الاجتماعية، وأن الدين أكبر من أن يحصره شكل واحد أو رأي واحد، أو حالة واحدة. إن الذي تعترض على هيأته أو تقصيره هو أنموذج من تلك الشرائح، وربما يؤدي من الأعمال الجليلة والمقبولة عند الله ما لا يخطر ببالك، فلا تحتكر الدين لأن ظاهرك وفق النموذج المحدد والمؤطر. أرجو ألا يفهم مني عدم الاعتراف بالشكل، ولكن يجب التعامل معه وفق مًرونة شرعية تنهض على قاعدة الزمان والمكان والجوهر والأولوية.

تابعنا على تويتر


Top