برج عاجي، أم بيت طيني؟

حنين النقري – دوما
5

تشارك الألم الإنساني مهمة صعبة، البحث عن حلول لهموم «الناس» اليوميّة أمر مرهق حقّا، الخوض مع الناس في شكواهم، الاستماع لهم، تثبيتهم.. ليس بالسهل أبدًا..
ربما ﻷجل هذا، نجد الكتّاب، الأدباء، الدعاة، العلماء، جلّهم يتّجه للتنظير، الكلام عن أمور  فوقيّة، هل هو أهمّ حقّا برأيهم، أم أنهم يرونه أسهل من مخالطة الناس، أم لعلّهم يرون أنفسهم أعلى منهم؟
قد يكون أيّا من هذه الأسباب، أو سواها ما يجعل الكلام كلامًا، والواقع واقعًا، قد يكون هذا ما بنى للعلماء أبراجًا من عاج، بعيدًا عن الفقراء وبيوتهم الطينيّة.
عندما تعجز الكلمة عن الإحساس بالجائع، فهي تفقد أي قيمة إنسانية -برأيي-، عندما يجتهد الفيلسوف بالكلام عن الماورائيّات وينشغل بمشاكل ومسائل بعيدة كل البعد عن واقع الناس ووجودهم، تغدو فلسفته مجرد حبر على ورق أجوف، عندما يبحّ الخطيب وراء منبره، في الحديث عن أحكام الحج بعيدًا عن آلام المهجّرين والجوعى والمشردين، فهو يفرّغ الدين من محتواه الإنسانيّ..
اليوم نرى العديد من البرامج التلفزيونيّة النهضوية، العديد من المشاريع الحضاريّة، الكثير والكثير من الكتب البرّاقة، لكن أيّا منها يخاطب الإنسان العاميّ؟ أيّا منها يساعده على علاج مشاكله وحلّها؟
قد يخصص بعضها لإطعامه سمكة، لكن أيًا منها يعلمه كيف يصطاد كل يوم؟
كل الكلّام، المقالات، المحاضرات، موجّهة أساسًا لبروج المجتمعات المتحضّرة، لا لحفر المجتمعات الفقيرة، لتخفف من تخمة الغنيّ، لا لتسد جوع الفقير، لتصف لنا عبقريّة الأوروبيّ، لا لتخبرنا كيف نساعد الإفريقيّ على استصلاح أرضه وزراعتها، تنقية مياهه و «النهوض» بنفسه وعائلته إلى واقع أفضل بشكل ذاتي.

كل الكلام يوجّه ليخبر المجتمعات العربيّة عن كمية الغذاء المناسبة يوميًّا للفرد، هل منها من يخبرنا كيف نحصّل هذا الغذاء بشكل ذاتي؟ كيف نجني رغيف خبز من عرقنا بدءًا من زراعة السنبلة الأولى؟
جلّ الدعاة والمفكرين مشغولون بوصف ما آلت إليه الحضارات الأخرى، هل منهم من سخّر تمويل برنامجه الضخم وتنقّلاته بين بلدان العالم لبرنامج نهضوي بسيط وأقل تكلفة، يعلّم مثلًا طرق تصنيع خلايا للطاقة الشمسيّة من معدّات بسيطة، تدخل النور إلى قرى وقرى مظلمة؟
كيف نستفيد من مياه الأمطار، كيف ننقي مياه الأنهار، كيف نستفيد من طاقة الرياح والشمس والرمال؟
هناك الكثير لنفعله لتحسين أوضاع العشوائيات السكنية والأماكن الفقيرة، الكثير من الوسائل لنبحث عنها على الشابكة، لنساعد بها الفقير على تدبّر مشاكله اليومية مع الغذاء والطاقة وتنقية المياه، الكثير من الطرق التي عمد لها «إنسان» ما، آمن بأخيه الانسان فأحب أن يساعده على تحسين حياته بوسائل محليّة، كتأهيل القرى الإفريقية والهندية وسواها.
الأمر مهم، إنساني، وأولويّ، لكنه اليوم أكثر أهمية مع تدمير النسبة الأكبر من البنى التحتية في سوريا، وانتشار الفقر والأمراض بنسب كبيرة في أنحائها..
قبل أن تخاطب عقول الناس، ساعدهم على إشباع بطونهم، قبل أن تطلب من أمة «اقرأ» أن تقرأ، علّمهم كيف يبنون منزلا يؤويهم، إذا أردت حقّا أن تشدّهم لأفكارك، سخرها لخدمتهم، شاركهم واقعهم ومشاكلهم بلهجتهم المحكيّة لا بمصطلحاتك، علّمهم العلم النافع الإنساني، لا علمًا -مهما علا شأنه- سيكون من باب الترف الذي لا مكان له لديهم الآن..
من الرائع حقّا أن نستلهم من الحضارات الأخرى ونتعلّم منها، لكن الأروع، أن نسعى لحلّ مشكلاتنا نحن، بأدواتنا البسيطة، لنبني بأنفسنا حضارتنا الخاصة بنا، دون مقارنة مع أي دولة أخرى..

تابعنا على تويتر


Top