المقارنة.. كفرٌ بالذات

عنب بلدي – العدد 76 – الأحد 4-8-2013
عتيق – حمص
6
واحدة من أسوأ العادات العقليّة التي تغرسها مؤسساتنا التربويّة في أذهان جيل الشباب، عقليّة المقارنة، التي تعتمد على «القياس» كعملية وحيدة في مقاربة الذات (في الحقيقة لم تترك ثقافتنا العربيّة المُعاشة من أدواتٍ عقليّة للفرد سوى القياس)، فكل من أراد تقييم نفسه، أو أدائه في مجالٍ ما، لجأ لمقارنة نفسه مع الآخرين، فتارةً يرى نفسه أفضل منهم، وتارةً يرى نفسه أسوأ منه، تبعًا إلى «الصورة» التي يقيس نفسه عليها، مع ذلك فغالبًا ما نكون الخاسرين في عملية المقارنة، كمجتمعات مفطورة على الفشل، وبغض النظر فإن نتيجة المقارنة دومًا ليست في صالحنا، سواءً قارنّا أنفسنا مع من هم أفضل منا، أو مع من هم غير ذلك، لما سنذكره لاحقًا.
الخطاب الدينيّ التقليديّ أوجد حلًا ظريفًا لهذه المشكلة، فأفتى بأنّ على الإنسان أن يقارن نفسه مع من هو أقلّ منه في شؤون الدنيا، حتى يشعر بالرضا، ويحمد الله على ما أتاه من نعم، وأن يقارن نفسه مع من هو أعلى منه في شؤون الآخرة (الفقهاء يحبّون ثنائية الدنيا / الآخرة)، حتى يجدّ دومًا في مسير الوصول إلى الله، ورضاه، وجنته.

تستند «المقارنة» في بنائها العقليّ على فكرة «النمذجة»، أو القولبة، بمعنى أنّه يجب أن يكون هناك دومًا «أنموذج» يلعب دور القالب، هذا الأنموذج يعتبر قدوةً وأسوةً يجب احتذاؤها (التعبير هنا دقيق، فالاحتذاء يعني التتبع حذوة حذوة، بالحذافير)، حتى ينجح الفرد في الوصول إلى ما وصل إليه هذا القالب.
بمعنى آخر فإن «النمذجة» لا تؤمن بأنّ الله قد خلق أفرادًا متفردين عن بعضهم البعض، ليس على المستوى البيولوجيّ (بصمة الأصابع، بصمة العين، بصمة الرائحة)، بل على المستوى الفكريّ والنفسيّ والتكوينيّ، بل يجب على الأفراد أن يشبهوا بعضهم، وأن يكونوا مثل بعضهم، ففي المجتمعات الضعيفة التي تفقد أية صلات تجمعها، لا يكون قد بقيّ أمامها من القواسم المشتركة، سوى رابطة «الشبه» لتجمع بين الأفراد وتشكّل منهم مجتمعًا يشعر بالقوّة.
لذلك فإن «الفرادة» والتميّز في هذا المجتمع يعتبر أمرًا جالبًا للمتاعب، والمشاكل، ونسمع من الآباء عبارات مثل: «يعني ليش لحتى ما تكون متل كل هالعالم، شوف ابن عمك طلع على الخليج وعم يقبض بالشهر كذا… يا ابني ليش هيك انت ما بتشبه هالناس، ليش بتحب تكون نيئة عن الخليقة».
وفي الخطاب الدينيّ التقليديّ يتمّ إلباس هذه العقليّة ثوبًا دينيًا مدعمًا بنصوص وشواهد (كالعادة)، فتصبح «الأسوة» بمعنى «القالب»، وتقزّم الآية القرآنية {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} إلى أبعد الحدود، فبدل من أن تكون الأسوة، أسوة قيم، ومبادئ، كما تتحدث الآية عن الثبات في المعارك، تغدو قالبًا يجب أن ننسخ أنفسنا وفق صورته، وأن نفرغ ذواتنا ضمن حدوده، لنأكل كما كان يأكل، ونبلس كما كان يلبس، وننام كما كان ينام، ونتكلم كما كان يتلكم، وهكذا يفقد الإنسان ذاته، ليغدو «مجبرًا» على التصرف وفق القالب، حتى يحبه الله، وينال الحسنات، ويدخل الجنّة.

الكفر بالذات، خطيئة تودي إلى جحيم الدنيا، يعيش الفرد وقد أضاع ذاته، كلما شاهد إنسانًا متميزًا في مجال ما، تاق إلى ذلك، وفكّر فيه، وشعر بالتقصير، لمَ لا يقرأ مثل فلان، لمَ ليس له قدرة فلان على الخطابة، ما أجمل موهبة هذا في التصوير لو تعلمتها، يا لحظّ ذاك على صوته البديع.. وهكذا يغرق الإنسان في شعورٍ كبير بالتيه، وهو يرى المتميزين من حوله، كلّ قد علم صلاته وتسبيحه، وهو لا يدري كيف يكون، وعلى أي قالب يصبّ.
حطّم صنم القالب، واتبع قلبك، فما في الكون من يشبهك.

تابعنا على تويتر


Top