ما تعطونا بنتكم يا العمارة العمارة؟ ... ما نعطيكم هية إلا بألف ومية!

سوالف الحارة

Al-Nawfara_Coffee_Shop_Damascus_Syria_5076634998-copy.jpg

حكواتي مقهى النوفرة بدمشق (ويكيبيديا)

حسن محمد العمير

تمتلئ ذاكرتنا بمئات الحكايا التي شكلت تواصلنا مع العالم الآخر، أي مع الذين سبقونا من الآباء والأجداد، ومصدر هذه الحكايا الأجداد والجدات في ليالي الشتاء بالقرب من الحطب، الذي صار جمرًا، أو في ليالي الصيف المقمرة تحت شجر التوت أو على السطوح تتحلق ونسمع ما يُقص علينا من الراوي، الذي يخترع ويضيف ويحذف كيفما شاء من الحكاية، وبالتأكيد كان أداة التسلية الوحيدة، ولهذا عشقنا الحكايات وشكلت مخزوننا الثقافي الأول وربما فسرت لنا حسب جهلنا الكثير من الأمور.

اليوم نقف على أطلال هذه الحكايا نتساءل: ما الذي حلّ مكان الراوي وبأي حكايا يتمتع هذا الجيل؟ بل ما مصير تراثنا المروي؟ أنتركه يذهب مع كل شخص يغادرنا إلى الآخرة؟‏

كان الكبار يلوذون بعزلتهم ولا يتخالطون إلا في الأعمال، أما نحن، أطفالهم، فكنا نلوذ بالشوارع والدروب، نختلط فيها، نلعب ألعابنا ونغني أهازيجنا التي جاءت من كل مكان، ونكسر عزلة أهلنا، ونجبرهم على التعارف والاختلاط والتسامح ليصهرنا المكان، كما يصهر مأثوراتنا التي لها الأساس نفسه، وإن اختلفت أحيانًا في التفاصيل أو كانت نتاجًا خاصًا ببيئة محددة، في الشارع كنا نلعب (تحتك بيضة، قيق، حاح، كول بامية، ضايع، غميضة).‏

نمارس طقوس الخطابة جامعين بعضنا بعضًا من المنازل نقرع الأبواب قائلين: “ما تعطونا بنتكم يا العمارة العمارة”، فيردون علينا: “ما نعطيكم هية إلا بألف ومية”، ولا يلبث المخطوب أو المخطوبة أن يغادر منزله لينضم إلى ألعابنا، فنمثل طقوس أم الغيث ابتداء من:‏
أم الغيث غيثينا، بلي فريوة راعينا، راعينا لمّ الجلة، حسبها خبز ملة، حتى ذهاب أم الغيث لتأتي بالرياح والرعود والمطر، فتدفق المياه في الأودية، تغرق البيوت وتحيي الزرع، “الشعير بطول الباب والحنطة مالها حساب”.. إلى أن نطلب الاعطيات من المنازل “التعطينا بالغربال يصبّح ولدها خيّال، والتعطينا بالطبشي يصبّح ولدها يمش، والتعطينا بالطاسة أم حجول رقاصة.‏

ثم نطبخ عيشنا المؤلف من برغل وسمن ونقوم بتوزيعه على بيوت الحارة ليعم الخير الجميع.‏

إن هذا التراث الشعبي يجمعنا ويفرقنا في آن، يجمعنا في رسّة الواحد، في لغته الأساسية العميقة الواحدة، بالرغم من اللهجات المتباينة، ويفرقنا في تشتته البيئي، وامتداده الزمني الغارق في المجتمع الأمومي والعبودية البائدة، لكن تلك التباينات ما تلبث أن تنحسر أو تنصهر أو تترسخ في كل واحد له عمق وحكمة النسغ الروحي المتسامح في جذوره الدينية، فما لم يكن لنا أصبح جزءًا لا يتجزأ من مأثورنا، فنشب على مأثورات غنية ومتنوعة وحية تنبض بها قلوبنا المجروحة، وترعاها أرواحنا القلقة.‏

لم يكن التراث الشعبي آنذاك مفصولًا عنا يعيش في الماضي أو في ذاكرة الجدات المسنات، بل كان يعيش بيننا وكان جزءًا من ممارساتنا جميعًا كبارًا وصغارًا، إناثًا وذكورًا، يؤثر في حياتنا ويدلنا على الطريق لأنه ثقافتنا ومعرفتنا وحكمتنا وهادينا في طرق الحياة، علاقتنا به علاقة حياة وممارسة وتربية نتعلم به ونتسلى به ونتواصل به وننصهر به ونحل مشكلاتنا على أساس عاداته وأعرافه ومعتقداته وقيمه وحكمته، حيث يبدأ معنا من هدهدات الصغار وترقيصهم، ويمر بقطع هجارهم وختانهم ويستريح في أهازيج الصبية وألعابهم وفي أغنيات العشاق واحتفالات الزواج في أيام الخطبة والحنة والصمدة والدخلة والتدفيعة والصبحة، يخاصرنا في دبكات الأعراس ويحرضنا على الأعمال ويودعنا عند الموت في المراثي والندب والنعي.‏

نحتفل به في المناسبات الحياتية الحاسمة والكبرى في الولادة والزواج والموت ونمارسه في بيوتنا ومضافاتنا ودواويننا وشوارعنا ومزاراتنا وحقولنا ووراء قطعان أغنامنا وماعزنا وإبلنا، في تحضير المونة: تفتيل الشعيرية، سلق الحنطة، جرشها، تذريتها، دق الحنطة بالجرن، طحن الحبوب على الرحى.. وفي جلساتنا للعمل: تنقية حبوب القطن باليد، تنظيف بنات المكانس، تحضير كباكب الغزل لنسج البسط والسجاد والمحازم والعدول والسوح، وفي أعمالنا في الحقول في الحصاد والرجاد والدراس والبناء.‏

في كل تلك الأوقات كان تراثنا الشعبي يساعدنا، يسلينا لنتجاوز التفكير بتلك الأعمال اليدوية الرتيبة المتكررة، يشدّ همتنا على العمل ويحزمنا بالحماسة في هوساته ونخواته المحرضة في الغزوات والثورات والهبات المحلية وفي الأعياد والطقوس الغامضة المغرقة في القدم، وهو حاضر في كل ركن من أركان بيوتنا، في منازلنا، في فرشنا ووسائدنا وألحفتنا، في لباسنا في سلاحنا في سحرنا في وشمنا، فهو منا، ووسائل عيشنا، ونتاج أرواحنا القلقة المنحدرة إلينا من الذاكرة الجمعية.‏

تابعنا على تويتر


Top