معركة جرابلس وانتهاك السيادة الوطنية

د. حكيم بحر

تقوم الدولة بالمفهوم المعاصر على أركان ثلاثة هي الشعب والأرض والسلطة السياسية، ويترتب على هذه السلطة الحفاظ على السيادة، أما السيادة فتعرف بأنها “وصف للدولة التي يجب أن يكون لها الكلمة العليا واليد الطولى على كل أراضيها وعلى ما يوجد فوقها أو فيها”.

إن هذا التعريف البسيط يظهر أن دخول قوات تركية إلى الأراضي السورية هو انتهاك للسيادة السورية، ولكن…

ساعات قليلة من معركة جرابلس على الحدود التركية بدأت تصريحات النظام السوري التي اعتبرت التدخل التركي “اعتداءً سافرًا للسيادة”، والعبارة من حيث الشكل لا تعليق عليها، أما في هذه المرحلة فهي غريبة للغاية فلم يبقَ في سوريا مكان لم تُخترق فيه السيادة، فمن جهة التحالف الذي يحارب تنظيم الدولة فقد اخترقت السيادة السورية من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وكندا واستراليا وبلجيكا وهولندا والنرويج ونيوزيلندا وإسبانيا. أما من جهة المتحالفين مع النظام فقد انتُهكت السيادة من العراق ولبنان وباكستان وأفغانستان وإيران وروسيا، فهل ضاقت عيون السيادة الوطنية على تركيا.

الأمر لا يتعلق بالسيادة بقدر ما يتعلق بالخسارة الاستراتيجية التي تلقاها النظام في هذه المرحلة، فالنظام الذي خرج من مسرحية هزلية في الحسكة منذ أيام قليلة كان يأمل أن تنجح قوات الـ “PYD” الكردية من بسط سيطرتها على الحدود التركية ليضرب بذلك عصفورين بحجر واحد: الأول إغلاق الحدود أمام المقاومة السورية وبالتالي قطع السند والدعم الرئيسي لها، والثاني قلب السحر على الساحر وجعل هذه الحدود خطرًا على تركيا بدلًا من كونها تهديدًا للنظام من خلال وجود القوى الكردية الموالية لـ “PKK” الكردي، الذي تعتبره الحكومة التركية منظمة إرهابية.

المشهد لن يكتمل هكذا لا بد من النظر إلى الموقف الإيراني، الذي يدعم هذه الخطوة في قرارة نفسه، كون الحلم الكردي يشكل خطرًا مشتركًا، كذلك الموقف الروسي الذي جاء فقط ببعض القلق، أما الموقف الأمريكي فكان الأهم من حيث الدعم القوي والمشاركة ببعض الضربات الجوية ودفع الأكراد للعودة إلى شرق الفرات.

ولكن القصة لن تنتهي هكذا، فلن يسمح الـ ”PYD” الكردي بنهاية حلم روج آفا بهذه السهولة، وكذلك فإن النظام السوري لن يسمح للقوات التركية أن تستمتع بنزهة داخل الأراضي السورية دون أن تدفع ثمنًا لذلك.

أما الأمريكي فيريد للقوات التركية أن تغوص في المستنقع السوري وأن تدفع ثمنا كبيرًا، لما أظهرته تركيا من تحدٍ للولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل في تركيا، وبالتأكيد إن ابتسامات بايدن في أنقرة في لقاء الرئيس أردوغان تخفي وراءها مكرًا كبيرًا. ومع هذا فإن الحكومة التركية ذكية بما يكفي للخروج من هذه السيناريوهات.

أما مفهوم السيادة فهو مفهوم متكامل لا يجتزئ، والشعب السوري الساعي للحرية من المعارك التي يخوضها حاليًا، لن يرضى بعد الحرية إلا بكامل السيادة على كل شبر من أرض الوطن.

تابعنا على تويتر


Top